لم تحفظ رئيسة "رواق عوشة بنت حسين الثقافي" وأستاذة علم الاجتماع، موزة عبيد غباش، سيرة أمّها في الذاكرة فحسب، بل نقلتها إلى الحيّز العام، وحوّلت الحكاية العائلية إلى مؤسسةٍ ثقافية خالدة. في هذا الفعل المبكر، تتجسّد صورة المرأة الإماراتية التي سافرت لتتعلّم، وعادت لتؤسّس للثقافة والوعي والذاكرة. من بيتٍ بسيط، خرج مشروع فكريّ يرى في الأم جذراً، وفي الثقافة وطناً مستداماً.
أمٌّ اسمها عوشة بنت حسين لوتاه. امرأة لم تكتب كتاباً، لكنها كانت كتاباً مفتوحاً، ومعلمة أولى زرعت في ابنتها يقيناً أن الكلمة ليست حبراً، بل بصيرة. كانت تقول لها: "إقرئي الصمت كما تقرئين الكلام، ففي الصمت تنمو أعظم الحكايات".
من تلك البدايات تولّد شغف لا يخبو. لم تكن الكتب متوافرةً بسهولة، ولا كانت القراءة عادةً يومية للجميع، لكنها كانت بالنسبة للطفلة موزة نافذةً صغيرة على عالم كبير. بيتها كان مدرسة، وأمها كانت جامعةً من الحكمة، وأخوالها وأشقاؤها كانوا محيطاً من الشعراء والكتّاب. كانت المعرفة في ذلك الزمن تُطلب بالمشقة، لكنها حين تُنال، تصبح جذراً لا يُقتلع.
كبرت موزة وهي تراقب الإمارات في لحظة تحوّلٍ عميقة. وطنٌ ينتقل من حياةٍ بسيطة إلى زمن الحداثة، يفتح عينيه على العالم من دون أن يفرّط في روحه. في قلب هذا التحول، كانت تسأل نفسها: كيف نحافظ على الهوية في زمنٍ يتغير سريعاً؟ كيف نُمسك بالأصالة من دون أن نرفض الجديد؟ ولأن الأسئلة كانت أكبر من سنوات عمرها، وجدت في الكتاب ينابيع لها لا تنضب.
الانتماء إلى علمٍ يعيد للإنسان صوته
لم يكن علم الاجتماع خياراً أكاديمياً بقدر ما كان استجابةً لنداءٍ داخلي. فمنذ بداياتها، كانت موزة مأخوذةً بأسئلة الإنسان: لماذا تتبدل القيم؟ كيف يتشكل الوعي الجمعي؟ ما الذي يجعل مجتمعاً ينهض وآخر يتعثر؟
في القاهرة، حيث التحقت بالجامعة، عرفت للمرة الأولى معنى أن يكون العلم موقفاً، وأن تكون الجامعة فضاءً لصناعة الفكر، لا مجرد منابر للمحاضرات. هناك، في قلب مدرسةٍ عربية نابضة، تشكّل جزء من وعيها الفكري، فوجدت في علم الاجتماع مرآةً تعكس مجتمعاتنا كما هي: بجرحها، وفرحها، وتاريخها، وطموحها.
وفي محطاتها في الداخل والخارج، اكتسبت أدواتٍ منهجية صارمة، لكن قلبها ظل عربياً إماراتياً، ينظر إلى العلم بوصفه وسيلةً لخدمة الإنسان، لا لتأطيره في نظرياتٍ باردة. وهكذا تشكلت في داخلها هوية فكرية مركّبة: جذورها في الأرض، وأغصانها نحو السماء.
وحين سافرت للدراسة خارج الإمارات، لم يكن ذلك أمراً مألوفاً للنساء. كان المجتمع محافظاً، يُحب المرأة لكنه يخشى عليها، ويراقب خطواتها خارج الحيز الذي اعتاده. لكن تلك الشابة لم تكن تبحث عن مغامرة، بل عن حقها في الفهم والمعرفة.
عادت إلى الوطن بشهادة الدكتوراه، وبإيمانٍ عميق بأن المرأة الإماراتية قادرة على أن تكون صانعة معرفة، لا مجرد متلقية لها. في جامعة الإمارات، أصبحت أول امرأة تترأس قسم علم الاجتماع، ليس بالصوت المرتفع ولا بالتمرّد، بل بالقوة الهادئة التي تصنع التغيير من الداخل.
واجهت نظرات الشك الأولى، تلك التي تسأل: كيف ستدير امرأة قسماً جامعياً؟ ومع الزمن، تحوّلت تلك النظرة إلى تقدير، وصارت طالباتها اليوم في مواقع قيادية، يكملن ما بدأته.
كان دعم القيادة حاضراً، وبخاصة من أم الإمارات، الشيخة فاطمة بنت مبارك، التي فتحت الطريق للنساء بثقة الأم وقامة المؤسسة. وهكذا أدركت أن المرأة لا تحتاج إلى أن تثبت وجودها اليوم، لأنها أصبحت هذا الوجود.
الرواق… ذاكرة الأم وامتداد القلب
حين أسست رواق عوشة بنت حسين الثقافي لم تكن تبني مؤسسة، بل كانت تُعيد للأم مكانها في الذاكرة. الرواق الذي تأسس عام 1992 لم يكن جدراناً، بل بيت للإنسان. مكان تجمع فيه الكلمة بين العلم والروح، بين الفكر والناس، بين الثقافة والحياة اليومية.
أما دار القراءة للجميع، فكانت محاولة لإنقاذ العلاقة العاطفية بين الإنسان والكتاب. أرادت موزة أن تعود القراءة عادةً يومية، لا واجباً مدرسياً. كانت الدار تقول للناس: الكتاب صديق، وليس امتحانا.
كبر الرواق والدار مع الزمن، وصارا صوتين لا يفصلان بين الثقافة والمسؤولية الاجتماعية. جوائز "الأم المثالية" و"الأب المثالي" و"أصحاب الهمم" لم تكن مناسبات احتفالية، بل انحناءة تقديرٍ لإنسانٍ يصنع الفرق بعيداً عن الأضواء.
وفي زمنٍ تتسارع فيه التقنية وتلتهم العمق، لا ترى موزة غباش أن المعركة مع الشاشة، بل مع الطريقة التي ننظر بها إلى المعرفة. تقول دائماً:
"اقرأ لتفهم… لا لتتفاخر."
جيل اليوم يعيش في فضاءٍ رقمي لا يهدأ، يقرأ من هاتفه، ويتلقى المعرفة بلمسة إصبع. لكن جوهر القراءة، في نظرها، ليس الورق ولا الشاشة، بل القدرة على التأمل والتمييز والفهم.
تحلم موزة بكتابٍ إماراتي يُقرأ كتطبيقٍ تفاعلي، تتحرك فيه الشخصيات وتتنفس الحكاية، وبمكتبةٍ رقمية داخل كل بيت، كما كانت مكتبة أمها في الماضي. لكنها أيضا تؤمن بأن الكتاب الورقي لن يختفي، تماماً كما لا تختفي العلاقة الأولى بين الأم وطفلها.
وتؤمن بأن الدولة قطعت شوطاً كبيراً في دعم القراءة، من "تحدي القراءة العربي" إلى "مكتبة محمد بن راشد الرقمية". تقوم المؤسسات بدورها، لكن البيت والمدرسة لا يزالان حجر الأساس. القراءة، برأيها، يجب أن تكون مغامرة، لا واجباً، دهشة، لا درسا.ً
الجيل القادم
حين تنظر إلى الشباب، ترى فيهم المستقبل الذي لم يُكتب بعد. جيلٌ سيقول ما لم يُقل، وسيعيد تشكيل العلاقة بين المعرفة والهوية، بين الحداثة والجذور.
وتظل الكلمة بالنسبة إليها وعداً بأن الثقافة يمكن أن تسترد بهاءها، وأن المعرفة يمكن أن تبقى في الوجدان العربي مهما تغيّر الزمن
هي ليست مجرد أكاديميةٍ أو مؤسّسةٍ لرواقٍ ثقافي، بل سيدة حملت في قلبها إرث أمٍّ عظيمة، وكتبت من خلاله حكاية وطنٍ كامل… حكاية تبدأ بالإنصات إلى الكلمة، وتزدهر بالإيمان بالإنسان.



