تُعدّ الجزيرة الحمراء واحدة من أكثر المواقع التاريخية فرادة في دولة الإمارات، ليس فقط لكونها قرية تراثية محفوظة نسبياً، بل لأنها تمثّل سردية متكاملة عن الحياة الساحلية قبل النفط، بكل ما فيها من اقتصاد ومعمار وعلاقات اجتماعية.
تعود نشأة الجزيرة الحمراء إلى القرن السابع عشر تقريباً، عندما استقرت فيها قبيلة الزعاب، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي على الساحل الغربي لرأس الخيمة. شكّل هذا الموقع نقطة وصل بين البحر والصحراء، ما جعل القرية مركزاً للنشاط البحري، لا سيما صيد اللؤلؤ والتجارة.

قبل اكتشاف النفط، كان اللؤلؤ هو العمود الفقري لاقتصاد الخليج، وكانت الجزيرة الحمراء من القرى النشطة في هذا المجال. خلال مواسم الغوص، كان الرجال يبحرون لأشهر طويلة بحثاً عن اللآلئ، بينما تتولى النساء إدارة شؤون البيوت.
هذا النمط الاقتصادي لم يكن مجرد نشاط تجاري، بل أسلوب حياة كامل، قائم على التضامن والتكافل، حيث تعتمد العائلات على بعضها بعضاً في مواجهة قسوة البحر وتقلباته.
تتميّز الجزيرة الحمراء بكونها واحدة من آخر القرى الإماراتية التي لا تزال تحتفظ بنسيجها العمراني التقليدي. فقد بُنيت المنازل من الحجر المرجاني والجص، مع استخدام سعف النخيل في الأسقف، في حين ظهرت لاحقاً بيوت أكثر تطوراً مزودة بـ "البراجيل" لتبريد الهواء.

الأزقة الضيقة والمتعرجة لم تكن عشوائية، بل صُممت لتوفير الظل وتقليل تأثير الرياح الساخنة، ما يعكس فهماً عميقاً للبيئة المحلية. كما تضم القرية مساجد قديمة، أبرزها مسجد الجمعة، الذي شكّل مركزاً دينياً واجتماعياً.
مع تراجع تجارة اللؤلؤ في ثلاثينات القرن العشرين، نتيجة ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني، بدأت الأوضاع الاقتصادية في التدهور. لكن التحول الأكبر جاء في ستينات القرن الماضي، عندما بدأ السكان مغادرة القرية تدريجياً.
توجّهت العائلات إلى مناطق أكثر تطوراً في رأس الخيمة، حيث توفرت فرص العمل والخدمات الحديثة. وبحلول أواخر الستينات، أصبحت الجزيرة الحمراء شبه مهجورة، تاركة خلفها بيوتاً وأزقة تحكي قصص من عاشوا فيها.
اليوم، تُعرف الجزيرة الحمراء أحياناً باسم "القرية المهجورة"، لكن هذا الوصف لا ينصف قيمتها التاريخية. فهي ليست مجرد مكان خالٍ، بل أرشيف حيّ لذاكرة جماعية، حيث لا تزال الجدران تحمل آثار الحياة اليومية.
وقد تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى موقع جذب ثقافي وسياحي تُنظم فيها فعاليات فنية ومهرجانات، مثل العروض السينمائية والمعارض، ما أعاد إحياء المكان بطريقة معاصرة.

جهود الترميم
عملت دائرة الآثار والمتاحف في رأس الخيمة على حماية هذا الموقع من الاندثار، عبر مشاريع ترميم وتوثيق تهدف إلى الحفاظ على طابعه الأصلي، مع فتحه أمام الزوار بطريقة مدروسة.
هذه الجهود لا تقتصر على إعادة تأهيل المباني، بل تشمل أيضاً توثيق القصص الشفوية والتاريخ الاجتماعي، لضمان نقل هذا الإرث إلى الأجيال المقبلة.
في هذا السياق، تتحول زيارة الجزيرة الحمراء إلى تجربة تأملية، تتجاوز السياحة التقليدية، لتلامس مفاهيم الذاكرة والانتماء والتحول.



