من "مدينة مصدر" في أبوظبي إلى خطط النقل الكهربائي والمباني الصفرية الانبعاثات في دبي والشارقة، تتجه الإمارات بخطى ثابتة نحو تحقيق حيادها المناخي بحلول عام 2050، واضعةً نفسها في مصاف الدول القليلة التي لا تتعامل مع التنمية المستدامة كشعار، بل كنهج حياة.
ورغم انطلاق التجربة الإماراتية من خصوصيتها الاقتصادية والاجتماعية، فإنها تُلهم العالم العربي بأسره، إذ نجحت في دمج مبادئ الاقتصاد الأخضر والابتكار التكنولوجي ضمن منظومة تنموية متكاملة.
في هذا السياق، التقت "النهار" السفيرة ندى العجيزي، مديرة إدارة التنمية المستدامة والتعاون الدولي بجامعة الدول العربية، والمهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغيّر المناخي والمسؤولية المجتمعية، رئيس شبكة بيئة أبوظبي، لاستشراف مستقبل المدن الخضراء في الإمارات والمنطقة العربية.
تجربة عربية مضيئة
تصف السفيرة ندى العجيزي لـ"النهار" التجربة الإماراتية بأنها من أكثر التجارب العربية تقدّماً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، "يميّزها دمج مبادئ الاستدامة في الخطط التنموية الوطنية، وقد طوّرت الإمارات سياسات الطاقة الجديدة والمتجدّدة، والاقتصاد الأخضر، والمدن الذكيّة، والتكيّف مع التغيّر المناخي".
ولم تكتفِ الإمارات بمواءمة سياساتها مع الأجندة العالمية، بل عملت في إطارٍ عربي مشترك من خلال مشاركتها الفاعلة في إعداد "الرؤية العربية 2045" التي باتت اليوم مرجعاً إقليمياً للتنمية المستدامة، على ما تقول العجيزي، مضيفةً أن "مدينة مصدر" نموذج عربي متميّز في تطبيق مفاهيم المدن المستدامة، تجمع بين التخطيط العمراني الذكيّ، والطاقة المتجدّدة، والنقل المنخفض الانبعاثات، إلى جانب قدرتها على جذب الاستثمارات والشركات الناشئة في مجالات الابتكار المناخي، وهي ترى فيها "منصّةً عربية للابتكار"، تحتضن مستقبل التكنولوجيا الخضراء في المنطقة.

انطلقت فكرة "مدينة مصدر" في عام 2006 بوصفها حيّاً حضرياً مستداماً على مساحة تقارب 6 كم² في أبوظبي، وتضمّ اليوم أحد أكبر تجمّعات المباني الحاصلة على تصنيف LEED البلاتيني عالمياً (21 مبنى بمساحة نحو 175 ألف م²). وتحقق مبانيها وفورات تقارب 40% في استهلاك الطاقة والمياه مقارنة بالمباني التقليدية، فيما تكون حرارة الحيّ أبرد بنحو 5 إلى 10 درجات مئوية من وسط أبوظبي، بفضل تصميمها المناخي.
إلى جانب "مصدر"، تبرز مشاريع حضرية خضراء في الإمارات بالنهج نفسه؛ فـ "المدينة المستدامة" في دبي مجتمع منخفض الانبعاثات، يعتمد الألواح الشمسية، وفرز وإعادة تدوير النفايات والمياه، والبنية الداعمة للتنقّل الكهربائي داخل الحيّ، إضافة إلى "المدينة المستدامة – الشارقة" التي تنسخ التجربة بمنظور محلي مع منازل عالية الكفاءة تعمل بالطاقة الشمسية، وإعادة استخدام 100% من مياه الصرف للريّ، وشبكات مشاة ومركبات ذاتية/كهربائية؛ و"إكسبو سيتي دبي" بوصفها منطقة حضرية ذكيّة بمعايير كفاءة للطاقة والمياه ضمن مسارٍ مُعلن للحياد الكربوني بحلول 2050.
امتداداً لهذا الإنجاز الذي تحققه الإمارات في مضمار المدن الخضراء، ترى العجيزي أن التجربة الإماراتية ألهمت دولاً عربية عدة لتبنّي سياسات مشابهة في مجالات الهيدروجين الأخضر، والطاقة المتجددة، والمدن الذكيّة، وتعمل جامعة الدول العربية على تحويل هذه التجارب الفردية إلى مسارٍ إقليمي متماسك، عبر اللجان الوزارية والاجتماعات الإقليمية التي تتيح تبادل الخبرات.
أمّا في ما يتعلق بأولويات المرحلة المقبلة، فتؤكد أن المنطقة بحاجة إلى تعزيز التكامل العربي في مجالات الطاقة النظيفة وتوطين التكنولوجيا، وإيجاد آليات تمويل مبتكرة من خلال الصناديق الإقليمية والشراكات مع المؤسسات الدولية، إضافة إلى الاستثمار في الشباب، ودعم منصّات الابتكار العربي، كالأسبوع العربي للتنمية المستدامة، ومنصّة الشباب العربي.
من الرؤية إلى المدن الصفرية
من جهته، يؤكد المهندس عماد سعد لـ"النهار" أن تجربة الإمارات في مجال الاستدامة لا تُقاس بما حققته من مشاريع فحسب، بل أيضاً بالنهج الذي اتّبعته؛ مثل تحويل الاستدامة إلى ركيزة استراتيجية للتنمية، لا مجرّد هدف بيئي. فالإمارات وضعت الاستدامة في صلب رؤيتها الوطنية، ثم ترجمتها إلى خطط تنفيذية دقيقة مدعومة بمؤشرات قياس ومتابعة مستمرة، مثل "استراتيجية الحياد المناخي 2050".

يضيف رئيس شبكة بيئة أبوظبي أن الوعي المجتمعي في الإمارات شهد تحوّلاً نوعياً، "فلم تعد الاستدامة حكراً على المؤسّسات الحكومية، بل دخلت في صميم الثقافة المؤسّسية والمجتمعية، من مبادرات تقليل النفايات والبلاستيك، إلى نشر تقارير الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية، بين الشركات الخاصّة، والتحدّي الآتي يكمن في تعميق هذه الثقافة لتشمل كل شرائح المجتمع".
وبحسب سعد، تفتح الإمارات نافذة على تحوّلات نوعية عبر ثلاثة مسارات مترابطة: "أولاً، الطاقة النظيفة وتخزينها حيث تتوسّع في المشروعات الشمسية وتطوّر الهيدروجين الأخضر بإسهام دولي في حصّة الطاقة المتجدّدة؛ وثانياً، الاقتصاد الدائري الذي يحوّل النفايات إلى مواد خام، ومصادر طاقة، ويعيد تصميم سلاسل الإنتاج والاستهلاك لخفض البصمة الكربونية؛ وثالثًا، المدن الذكيّة المنخفضة الانبعاثات التي تعمّم فلسفة ’مدينة مصدر‘ على نطاق أوسع".
وعلى الصعيد الإنساني، تعني هذه المسارات فرص عمل نوعية للشباب، وتوطيناً للمعرفة، وتنميةً مجتمعية أكثر استدامة. ومع الجرأة والاستمرارية في التنفيذ، بات طريق الإمارات أقصر نحو نموذج عالمي.
ويتوقع سعد أن تصير المدن الإماراتية في العقد المقبل أشدّ ذكاءً وأكثر تفاعلية من حيث أنظمة مراقبة الطاقة والمياه، تعمل في الزمن الحقيقي، مع هواتف ذكيّة تتحكم بالسلع والخدمات المنزلية. وستكون المدن مصمّمة لتقليل الحرارة الحضرية، مع مساحات خضراء، ومظلات ذكيّة، وأنظمة تبريد طبيعية مستوحاة من العمارة التقليدية، وتنقل كهربائي، وربما ذاتي القيادة، على شبكات متصلة بكفاءة عالية، مع بنى تحتية ذكيّة مثل "منزل كربون-صفري" كمقياس لعمر المبنى المتوسّط. بالتالي، تتجه الإمارات فعلاً لتكون نموذجاً عالمياً للمدن الخضراء بحلول 2040، شرط استمرار الزخم في التنفيذ، التمويل، والمشاركة المجتمعية.
ويختتم سعد حديثه بالتأكيد أن التوجّه الذي تسلكه الإمارات "ليس ترفاً، بل ضرورة للاستدامة والعدالة بين الأجيال، ولتحويل الرؤية إلى واقع حيّ، يتعايش فيه الإنسان والطبيعة بانسجام".



