في عصرٍ تتسارع فيه التحوّلات الرقمية، وتفرض فيه التكنولوجيا واقعًا جديدًا، يبرز الأرشيف والمكتبة الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة بوصفه "الحارس الأمين" على ذاكرة الوطن، ملتزمًا بأحدث المعايير العالمية لصون الهوية الوطنية وتعزيزها. ومع تحوّل الذكاء الاصطناعي من ترفٍ تقني إلى ركيزة أساسية في ميادين التوثيق والأرشفة، نجحت المؤسسة في توظيف هذه التقنيات المتطورة لخدمة التاريخ، مع الحفاظ على التوازن الدقيق بين الحداثة الرقمية والأصالة التي تمثلها الوثائق الورقية والكنوز التاريخية.
في حديث خاص لـ"النهار"، يسلّط مدير عام الأرشيف والمكتبة الوطنية الدكتور عبدالله ماجد آل علي الضوء على رؤية الإمارات في ربط التراث بالهوية، مستعرضًا الاستراتيجيات الرقمية التي تضمن ديمومة الوثائق وإتاحتها للباحثين. كما يتناول الدور الريادي للمؤسسة في دعم البحث العلمي والأكاديمي عبر شراكات دولية ومحلية، إلى جانب آفاق التعاون العربي المشترك لتوثيق الذاكرة الجماعية. وفي استشرافه للمستقبل، يطرح رؤية ملهمة حول التكامل بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي لمواجهة تحديات البيانات الضخمة، موجّهًا رسالة جوهرية إلى المؤسسات العربية حول أهمية الأرشيف بوصفه عصب الحياة وصمّام أمان الهوية في مواجهة الاندثار.

في الآتي، نص الحوار:
-كيف تترجمون في الأرشيف والمكتبة الوطنية رؤية دولة الإمارات في حفظ الذاكرة الوطنية وتعزيز الهوية الثقافية، خاصة في ظل التحوّلات السريعة التي يشهدها العالم اليوم؟
يواكب الأرشيف والمكتبة الوطنية التحولات والتطورات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات الأرشفة والتوثيق، ملتزماً بأحدث المعايير وأرقى الممارسات العالمية، مستفيداً من التجارب الرائدة في كبريات الأرشيفات الدولية، وبانياً عليها في تنفيذ مهامه وأعماله المتعلقة بتوثيق ذاكرة الوطن وحفظ تاريخه.
ويدرك الأرشيف والمكتبة الوطنية أن رؤية دولة الإمارات في حفظ الذاكرة الوطنية وتعزيز الهوية الثقافية تقوم على الربط الوثيق بين التراث والهوية الوطنية، لذا يعتمد هذا النهج في مبادراته ومشاريعه، ويسعى إلى ترسيخ القيم الوطنية في نفوس الأجيال الناشئة من خلال المناهج الدراسية والبرامج التفاعلية، كما يعمل على تحقيق التوازن بين الحداثة والأصالة عبر الاحتفاء بالرموز الوطنية والتقاليد الثقافية الإماراتية الأصيلة.
2-يشهد العالم ثورة رقمية غير مسبوقة، وأنتم كدولة في صلب هذه الثورة. كيف تكملون استراتيجيتكم للتحوّل الرقمي، وكيف وازنتم بين التقنية الحديثة والمصادر الورقية الأصلية؟
يعدّ الأرشيف والمكتبة الوطنية الحارس الأمين على ذاكرة الوطن، وتعتمد هذه الذاكرة في المقام الأول على الوثيقة التاريخية التي تمنح الأحداث موثوقيتها، فليس هناك تاريخ بلا وثيقة، ومن هذا المنطلق فإننا نهتم بالوثيقة بمختلف أشكالها، سواء كانت وثيقة مكتوبة أو خرائط جغرافية أو وسائط المتعددة، وفي كل الأحوال فإننا نعمل على تهيئة البيئة المناسبة لكي تدوم هذه الوثائق عمراً طويلاً، وفي مقدمة هذه الأساليب رقمنتها، لكي يتم الاطلاع عليها دون المساس بها، ولكي تظل محفوظة في المخازن المزودة بالتقنيات التي تحفظها بعيداً عن أسباب التلف، وبهذا الصدد فإن الأرشيف والمكتبة الوطنية يقتني أكثر أجهزة التحويل الرقمي حداثة ودقة، ويتابع تطورها حتى يتمكن من الوصول إليها وإتاحتها على ضوء مواد القانون الاتحادي رقم 7 لعام 2008 ولائحته التنفيذية المعدلة والمطورة.
وإلى جانب الاهتمام والعناية بالوثائق والسجلات التاريخية بشكلها التقليدي الورقي، فإننا نحتفظ بالوثائق بشكلها الرقمي في خوادم (سيرفرات) متطورة، تمكننا من الوصول إليها حين الطلب من قبل أصحاب القرار أو الباحثين في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة.
ويعتمد الأرشيف والمكتبة الوطنية على ما لديه من الكنوز الوثائقية في إعداد البحوث والدراسات والإصدارات الأخرى التي يثري بها المكتبة الإماراتية والعربية والعالمية.
3-في ظل توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأرشفة، ما هي الخطوات التي اعتمدتموها لتوظيف هذه التقنيات في الفهرسة والتصنيف وحفظ البيانات؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفاً ولا رفاهية في جميع مجالات الحياة وإنما صار جزءاً من الواقع المتطور والحياة الحديثة، ونحن في الأرشيف والمكتبة الوطنية مهدنا الطريق أمام الذكاء الاصطناعي ليسهم في تطوير عمليات الأرشفة والتوثيق والتصنيف، وقد دخل الذكاء الاصطناعي الأرشيف والمكتبة الوطنية من باب الترجمة، وقد منح مؤتمر الترجمة الدولي الذي ينظمه الأرشيف والمكتبة الوطنية هذا المجال اهتماماً كبيراً فسلط عليه الضوء من جوانب مختلفة، وقد استطعنا تطوير الترجمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في الأرشيف والمكتبة الوطنية بعيداً عن المواقع الإلكترونية وذلك حفاظاً على سرية المعلومات وأمنها، ثم كان للذكاء الاصطناعي دوره الكبير في تحويل مقابلات التاريخ الشفاهي إلى نص مكتوب، كما كان له دوره في البحث عن الصور بين مقتنيات الأرشيف والمكتبة الوطنية، ولا تزال العجلة تدور من أجل توظيف الذكاء الاصطناعي في المجالات التي يهتم بها الأرشيف والمكتبة الوطنية.
4-كيف يسهم الأرشيف والمكتبة الوطنية في دعم البحث العلمي والتعليم الجامعي داخل الإمارات، وهل هناك تعاون مباشر مع الجامعات والمراكز البحثية؟
لقد احتفل الأرشيف والمكتبة الوطنية بتخريج الدفعة السادسة عشرة من المشاركين في الشهادة المهنية، وهي تسهم في تدريب العاملين في مجالات الأرشفة وتزودهم بأحدث المعلومات وأكثرها تطوراً لكي يواكبوا ما توصلت إليه الأرشيفات العالمية، وهذه الشهادة المهنية تم التنسيق لها بالتعاون مع جامعة السوربون أبوظبي، ثم تلاها برنامج البكالوريوس في علوم الأرشفة، ودرجة الماجستير في إدارة الوثائق والأرشيفات مع الجامعة نفسها، والتنسيق جارٍ لإعداد برنامج الدكتوراه في المجال نفسه، ونهدف من ذلك كله إلى تأهيل جيل قادر على حفظ تاريخ وطنه ليكون فخراً للأجيال، ليستلهموا منه العبر والدروس، فالتاريخ يعيد نفسه.
وفي الوقت نفسه فإن الأرشيف والمكتبة الوطنية بالتعاون مع مكتب البعثات الدراسية قد ابتعث عدداً كبيراً من طلبة الإمارات لدراسة بكالوريوس علوم المكتبات بالولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك فهو يسهم في إعداد جيل متخصص في مجال المكتبات وشؤونها.
وهناك الكثير من النصوص وبعض الكتب الصادرة عن الأرشيف والمكتبة الوطنية التي دخلت ضمن المنهاج الدراسي، والتي يستفيد منها الطلبة في معرفة تاريخ وطنهم، وهي في الوقت نفسه تعتبر مكملاً للمنهاج، ويتعاون الأرشيف والمكتبة الوطنية مع وزارة التربية والتعليم في مشاريع علمية وبحثية كثيرة يمكن من خلالها اكتشاف المواهب ورعايتها.
5-هناك اهتمام متزايد في المنطقة بإنشاء أرشيفات وطنية حديثة. ما هو الدور الريادي الذي يمكن أن تؤديه الإمارات عربياً في هذا المجال، وكيف يمكن نقل تجربتكم إلى دول أخرى؟
الكثير من الدول الشقيقة والصديقة تعمل على الاستفادة من تجربة دولة الإمارات في مجال الأرشفة، وبكل مودة فإننا نفتح أبواب الأرشيف والمكتبة الوطنية وأبواب مركز الحفظ والترميم التابع له للوفود الزائرة، ونرسل من كوادرنا من ينقل إليهم التجربة بتفاصيلها، ويكفي في هذا المجال التنسيق ومعرفة الجوانب المطلوبة حتى نقدم لهم كل ما يريدونه، فالأخوة والصداقة تفرضن علينا أن يكمل كلّ واحدٍ منا الآخر، والعلم للجميع، وتبادل الأفكار وتكاملها هو من أبرز أسباب النجاح والتميز.
6-إلى أي مدى تنفتحون على شراكات ثقافية ومعرفية عربية، مثل التعاون المحتمل مع مؤسسات بحثية أو إعلامية لبنانية لتوثيق الذاكرة العربية المشتركة؟
عقدنا مع الأخوة العرب شراكات ثقافية ومعرفية كثيرة جداً، وهي مثمرة في معظم الأحوال إن لم نقل في كلها، وتربطنا اتفاقيات وتفاهمات مع معظم المؤسسات ذات المهام المماثلة، والتخصصات المكملة، في معظم دول منطقة الخليج العربي، ومع الكثير من البلدان العربية الشقيقة حتى المملكة المغربية نفسها فإن بيننا تعاون نحرص عليه.
وليس لدينا أي مانع من الاتفاق على التعاون مع أي مؤسسة لبنانية لها أهداف مماثلة لأهداف الأرشيف والمكتبة الوطنية أو تتكامل في نشاطاتها وإنجازاتها ومهامها مع الأرشيف والمكتبة الوطنية.
وعلى صعيد آخر فإننا أطلقنا منذ أكثر من شهر مبادرة (ذاكرة الدبلوماسية) التي تتطلع إلى توثيق العلاقات الإماراتية مع الدولة الصديقة والشقيقة عبر تاريخ العلاقات الدبلوماسية، وذاكرة الدبلوماسيين، وأعتقد أن هذه المبادرة ستسفر عن إصدارات جديدة ومعلومات تسهم في إثراء ذاكرة الوطن التي نعمل على حفظها للأجيال.
7-ما أبرز التحديات التي تواجه عملية الأرشفة الوطنية اليوم، سواء على مستوى الموارد، أو حماية البيانات، أو بناء الوعي المجتمعي بأهمية الأرشيف؟
أخبرتكم بأن الأرشيف والمكتبة الوطنية هو الحارس والحافظ لذاكرة الوطن، ومع أدائه لهذا الواجب الوطني وريادته، وبمواكبة هذا الدور وهذه المسؤولية فإننا نتوجه إلى المدارس والمؤسسات الأكاديمية، وإلى مختلف الشرائح المجتمعية لكي نوضح لهم أهمية المواد التاريخية، سواء من خلال الأنشطة الثقافية، أو من خلال المشاركة في المناسبات الوطنية، وفي هذه المرحلة فإننا نلتفت إلى الأرشيفات الخاصة لكي يتقدم بها أصحابها إلى الأرشيف والمكتبة الوطنية لحفظها بعيداً عن التسرب أو أسباب التلف.
وبقي لدينا ما هو أهم، وهو ضخامة البيانات التي تنشئها الجهات الرسمية يومياً، فهي تفوق الوصف، وهي من أبرز التحديات التي نواجهها ونعمل على التغلب عليها، ولنا أمل كبير في الذكاء الاصطناعي ليساعدنا في حفظ البيانات بعد التخلص مما ليس منه فائدة.
8-كيف تتصورون مستقبل الأرشيفات الوطنية في عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، وما الرسالة التي تودّون توجيهها إلى المؤسسات العربية الساعية لحفظ ذاكرتها وهويتها؟
في تصوّري، يتجه مستقبل الأرشيفات الوطنية في عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة نحو آفاق أكثر رحابة وفاعلية، إذ نشهد اليوم تمدّد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأرشفة والتوثيق، بما توفره من أدوات متقدمة في الفهرسة، والتحليل، والاسترجاع، وربط البيانات، وتسريع الوصول إلى المعرفة. ولا شك أن لهذه التقنيات شأناً كبيراً في تطوير العمل الأرشيفي والارتقاء به.
غير أنني أؤكد في الوقت نفسه أن العنصر البشري يظلّ أساساً لا غنى عنه، ولا يمكن الاستعاضة عنه كلياً مهما بلغت التقنيات من تطور. فالعقل البشري هو القادر على الفهم العميق للسياقات، وتقدير القيمة التاريخية والإنسانية للوثائق، وصياغة الرؤى الأخلاقية والمعرفية التي توجه استخدام التكنولوجيا. ومن هنا، فإنني أؤمن أن الذكاء الاصطناعي والعقل البشري ليسا في علاقة تنافس، بل في علاقة تكامل وتعاون، يثمر أفضل النتائج حين يُحسن توظيفهما معاً.
أما رسالتي إلى المؤسسات العربية الساعية إلى حفظ ذاكرتها وهويتها، فهي دعوة صادقة إلى إيلاء الأرشيف مزيداً من الاهتمام، والنظر إليه بوصفه مؤسسة من مؤسسات الصف الأول، لا تقل أهمية عن أي قطاع حيوي آخر؛ فالأرشيف هو عصب الحياة للأفراد والمؤسسات والدول، وهو الذاكرة التي تصون الهوية، وتضمن استمرارية المعرفة، وتحمي التاريخ من الضياع أو التشويه.
وانطلاقاً من هذه القناعة، فإننا في الأرشيف والمكتبة الوطنية نفتح أبواب مؤسستنا للأشقاء والأصدقاء، ونتطلع إلى تبادل الخبرات، ومشاركة التجارب، وبناء شراكات معرفية تسهم في تعزيز العمل الأرشيفي العربي، وترسيخ ثقافة حفظ الذاكرة بوصفها مسؤولية حضارية مشتركة.



