تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة نحو صياغة أحد أكثر مشاريعها الثقافية طموحاً: تحويل اللغة العربية من مجال الرمز والانتماء إلى منظومة قانونية مُحكمة، تُدار وتُقاس وتُطبَّق. فالقانون المرتقب للغة العربية، المزمع صدوره مع لائحته التنفيذية بين عامي 2026 و2027، يُشكّل إعلاناً صريحاً عن انتقال اللغة إلى مستوى "السياسة العامة" بمعناها العميق، في لحظةٍ تتقاطع فيها العولمة مع سؤال الهوية.

اللغة كأولوية سيادية
يُشكّل المشروع أولوية وطنية للإمارات؛ إذ إنّ اللغة ركيزة للهوية الوطنية، ومجال استراتيجي يتطلب حوكمة وتشريعاً. وفي هذا السياق، يأتي القانون ليؤسس إطاراً قانونياً ملزماً يضمن حضور العربية في مختلف القطاعات: من التعليم والإعلام إلى الاقتصاد والإدارة العامة.
وقد كشفت الوكيلة المساعدة لقطاع الهوية الوطنية والفنون في وزارة الثقافة شذى أمين الملا، عبر مداخلتها في المجلس الوطني الاتحادي، أن القانون سيغطي عشرة مجالات، منها الحكومة والاقتصاد والأعمال، والتعليم والأبحاث، والثقافة والإعلام، والترجمة والتعريب، وآليات الدعم والتحفيز، والأسرة والمجتمع والتكنولوجيا والرقمة، إضافة إلى الحوكمة. هذا الاتساع في النطاق يعكس فهماً معاصراً للغة باعتبارها نظاماً متكاملاً يتداخل مع كلّ مفاصل الحياة اليومية.
من التعليم إلى السوق
في قلب هذا القانون، يبرز التعليم كحقل أول لإعادة إنتاج اللغة؛ إذ يتضمن المشروع رفع معايير تدريس العربية كماً ونوعاً في مراحل التعليم المبكر والأساسي، وفرض حدّ أدنى إلزامي لتدريسها حتى في بعض التخصصات العلمية في التعليم العالي. كما يشدّد على إعادة تأهيل معلم اللغة العربية عبر معايير أكثر صرامة في الاختيار والتدريب والتقييم.
لكن اللافت أن القانون لا يكتفي بالمجال التربوي، بل يمتد إلى الفضاء العام والسوق، فارضاً استخدام اللغة العربية في جميع الإعلانات والحملات الدعائية الموجهة للجمهور، ومُلزماً المؤسسات بتوفير الترجمة العربية في المؤتمرات والندوات التي تُعقد بلغات أخرى. كما يفرض وجود موظفين ناطقين بالعربية في أقسام خدمة المتعاملين، وضمان حضورها في الأنظمة الداخلية للشركات. بهذا المعنى، تتحول العربية من لغة "مفضلة" إلى لغة "ملزمة"، ومن خيار ثقافي إلى شرط مؤسسي.
الأسرة "جبهة" أولى للغة
من بين أكثر بنود المشروع دلالة، تلك التي تتعلق بالأسرة. ينص القانون على "حق الطفل في تكوين لغته العربية وتلقيها"، وهو تعبير يحمل أبعاداً تربوية وثقافية عميقة. فاللغة هنا تُصاغ كحق، لا كمجرد مهارة، وكجزء من تكوين الهوية منذ الطفولة.
وتتقاطع هذه الرؤية مع سياسات مرافقة تهدف إلى تعزيز القراءة والوعي اللغوي داخل الأسرة، عبر برامج وطنية ومبادرات ثقافية تستهدف الأطفال واليافعين، في محاولة لإعادة اللغة إلى فضائها الطبيعي الأول: البيت.

تراكم عقدٍ كامل
لا يأتي هذا القانون من فراغ، وإنّما هو تتويج لمسار طويل بدأ منذ أكثر من عقد. فمنذ عام 2012، أطلقت الإمارات سلسلة من المبادرات النوعية، أبرزها "ميثاق اللغة العربية"، و"جائزة محمد بن راشد للغة العربية"، و"تحدي القراءة العربي"، الذي يُعدّ اليوم أكبر مشروع قرائي عربي من حيث المشاركة.
وبحسب الأرقام الرسمية، استقطب "تحدي القراءة العربي" مثلاً في دورته لعام 2025 أكثر من 32 مليون طالب وطالبة من 50 دولة مثلوا 132 ألفا و112 مدرسة، في مؤشر غير مسبوق على حجم الاستثمار في الثقافة القرائية عربياً، بقيادة الإمارات.
كما دعمت الدولة هذا التوجه بإصدار القانون الوطني للقراءة عام 2016، وهو أول قانون من نوعه في المنطقة، يهدف إلى ترسيخ القراءة كعادة مجتمعية، ويُلزم المؤسسات الحكومية بتبني سياسات داعمة لها.
في موازاة ذلك، تعمل الدولة على تطوير أدوات قياس دقيقة لاستخدام اللغة العربية، عبر مؤشرات وطنية ترصد حضورها في التعليم والإعلام والإدارة. وهو تحول مهم من منطق "الانطباع الثقافي" إلى "المعرفة الرقمية"، بما يسمح بتقييم السياسات وتعديلها على أسس علمية.
كما أُنشئت لجنة وطنية للهوية، تتولى الإشراف على هذه السياسات، في إطار استراتيجية أشمل تضع اللغة في صميم الهوية الوطنية.

بين الانفتاح والعولمة
يأتي هذا القانون في سياق تحدٍّ واضح: التوازن بين الانفتاح العالمي، الذي يُعدّ أحد أعمدة النموذج الإماراتي، وبين الحفاظ على اللغة العربية في بيئة متعددة اللغات في الإمارات التي تُعدّ من أكثر الدول تنوعاً لغوياً.
ومن هنا، لا يسعى القانون إلى الانغلاق، بل إلى إعادة ضبط العلاقة بين اللغات، بحيث تبقى العربية هي اللغة المرجعية في الفضاء العام، من دون أن يُقيّد ذلك الانفتاح الدولي.
ما يميّز هذا المشروع أنه لا يكتفي بالتحفيز، إنّما يُدخل عنصر الإلزام، عبر مزيج من العقوبات والحوافز. وهو ما أشارت إليه وزارة الثقافة صراحة، مؤكّدة أنّ القانون سيعتمد آليات تنفيذ واضحة تضمن تطبيقه الفعلي، لا الاكتفاء بإعلانه.
بهذا، تنتقل الإمارات من مرحلة "المبادرات الثقافية" إلى "السياسة اللغوية المكتملة"، حيث تُدار اللغة كمورد استراتيجي، له تشريعاته ومؤسساته ومؤشراته.
اللغة استثمار في المستقبل
لا يمكن قراءة قانون اللغة العربية في الإمارات باعتباره إجراءً ثقافياً فقط، وإنّما كجزء من رؤية أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين الهوية والتنمية. فاللغة في المفهوم الإماراتي مستقبل يُبنى عبر الأجيال.
إنه مشروع لإعادة إدماج العربية في الحياة اليومية، بوصفها تراثاً محفوظاً أولاً، وكأداة حيّة للإنتاج والمعرفة والابتكار. مشروع يطرح سؤالاً أبعد من الإمارات: هل يمكن للغة أن تكون، في زمن العولمة، سياسة عامة؟ الإمارات تجيب: نعم.



