لا تقتصر قصة الطاقة في دولة الإمارات العربية المتحدة على انتقال بسيط من النفط إلى البدائل، بل تشمل أيضاً وفي المقام الأول سياسة تستهدف إعادة تعريف موقع الدولة في خريطة الطاقة العالمية. الإمارات، التي بنت جزءاً كبيراً من ثقلها الاقتصادي على إنتاج النفط والغاز، لا تتخلى عن هذا الدور بقدر ما تعيد صياغته، عبر بناء منظومة طاقة جديدة تجمع بين المصادر التقليدية والحديثة في إطار رؤية بعيدة الأجل.
في قلب هذه الرؤية تبرز "استراتيجية الإمارات للطاقة 2050"، التي تستهدف رفع مساهمة الطاقة النظيفة إلى نحو 50 في المئة من مزيج الطاقة، وخفض البصمة الكربونية لقطاع توليد الكهرباء بنسبة تصل إلى 70 في المئة، مع تحسين كفاءة الاستهلاك بنحو 40 في المئة. لتحقيق ذلك، تخطط الدولة لاستثمار ما بين 150 و200 مليار درهم (41-54 مليار دولار تقريباً) بحلول عام 2030، في واحدة من أكبر عمليات التحول الطاقوي في المنطقة. ولا ينفصل هذا المسار عن التزام الدولة بـ"مبادرة الحياد المناخي 2050"، التي تهدف إلى تحقيق توازن بعيد الأجل بين النمو الاقتصادي وخفض الانبعاثات.
في هذا التحول، تتقدم أبو ظبي المشهد بوصفها المحرك الرئيسي لإعادة تشكيل قطاع الطاقة. تدفع الإمارة بمشاريع كبرى تمزج بين الاستقرار والتجديد، وفي مقدمتها محطة براكة للطاقة النووية، التي تبلغ قدرتها الإجمالية 5.6 جيغاواط وتنتج نحو 40 تيراواط/ساعة سنوياً، ما يغطي قرابة 25 في المئة من احتياجات الدولة من الكهرباء. هذا المصدر المستقر المنخفض الانبعاثات يشكّل قاعدة أساسية لمزيج الطاقة الجديد.

أبوظبي تتولى قيادة التوسع في الطاقة الشمسية
وإلى جانب الطاقة النووية، تتولى أبوظبي قيادة التوسع في الطاقة الشمسية عبر مشاريع ضخمة، أبرزها محطة الظفرة بقدرة 2 جيغاواط، القادرة على تزويد نحو 200 ألف منزل بالكهرباء، وتقليل الانبعاثات بنحو 2.4 مليون طن سنوياً، إضافة إلى محطة نور أبو ظبي بقدرة 1.2 جيغاواط. هذا التوسع يعكس انتقال الطاقة الشمسية من دور تكميلي إلى ركيزة أساسية، ولاسيما مع تحقيق الإمارات بعضاً من بين أدنى تكاليف إنتاج الطاقة الشمسية عالمياً، ما يعزز تنافسيتها في هذا المجال.
ولا يتوقف دور أبو ظبي عند الإنتاج المحلي، بل يمتد عالمياً عبر شركة "مصدر"، التي تسعى إلى بناء محفظة طاقة متجددة بقدرة 100 جيغاواط بحلول عام 2030، موزعة على أكثر من 40 دولة. كذلك تتصدر الإمارة تطوير قطاع الهيدروجين المنخفض الانبعاثات، من ضمن استراتيجية تستهدف إنتاج 1.4 مليون طن سنوياً بحلول عام 2031، مع طموحات للوصول إلى 15 مليون طن بحلول منتصف هذا القرن. ويُنظَر إلى هذا القطاع كأحد أعمدة المرحلة المقبلة، ولاسيما في مجالات تصدير الطاقة النظيفة وإزالة الكربون من عمليات الإنتاج الخاصة بالصناعات الثقيلة ومن قطاع النقل.
مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية أكبر المشاريع في العالم
أما دبي، فتقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على التوسع السريع في الطاقة الشمسية والابتكار في إدارة الطلب على الطاقة. يبرز مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية كأحد أكبر المشاريع في العالم، إذ تبلغ قدرته الإنتاجية نحو 3,860 ميغاواط، مع خطط لرفعها إلى أكثر من ثمانية آلاف ميغاواط بحلول عام 2030. يعكس هذا المشروع حجم الاستثمار، والتحول المؤسسي في إدارة الطاقة، إذ تتكامل التكنولوجيات الحديثة وأنظمة الشبكات الذكية.
هذا الدور يمتد إلى تطوير حلول استمرارية الإمداد، عبر الاستثمار في تخزين الطاقة والتكنولوجيات الذكية، بما في ذلك مشاريع لإنتاج كهرباء نظيفة على مدار الساعة باستخدام البطاريات، ما يفتح الباب أمام تجاوز أحد أبرز تحديات الطاقة المتجددة، وهو التقطع في الإنتاج.
في بقية الإمارات، يأخذ التحول أشكالاً أكثر تنوعاً، لكنه لا يقل أهمية. في الشارقة ورأس الخيمة وعجمان وأم القيوين والفجيرة، يتجلى التوجه نحو الطاقة النظيفة عبر مشاريع متعددة تشمل الطاقة الشمسية، وتحسين كفاءة الاستهلاك، ودمج الاستدامة في التخطيط العمراني والصناعي. هذا الانتشار يعكس أن التحول الطاقوي في الإمارات ليس مشروعاً مركزياً، بل منظومة اتحادية متعددة المستويات.

الإمارات تبني نموذجاً جديداً يجمع بين النفط والغاز والطاقة
ومع تزايد الاعتماد على الطاقة المتجددة، يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في استمرارية الإمداد. وهنا يأتي دور المزج بين مصادر الطاقة المختلفة، إذ يستمر الغاز الطبيعي في أداء دور مصدر انتقالي رئيسي يضمن استقرار الشبكة الكهربائية، إلى جانب الطاقة النووية والمتجددة، ما يتيح بناء نظام طاقة أكثر مرونة وتوازناً. هذه هي المعادلة الحقيقية للتحول.
هذه المنظومة المتكاملة تعكس تحولاً أعمق من مجرد تغيير مصادر الطاقة. فالإمارات لا تنتقل من نموذج إلى آخر، بل تبني نموذجاً جديداً يجمع بين النفط والغاز والطاقة الشمسية والنووية والهيدروجين في إطار واحد. إنها عملية "تنويع داخل قطاع الطاقة نفسه"، لا خارجه فقط. التحول هنا ليس بديلاً، بل إعادة تركيب كاملة للنظام الطاقوي.
والأهم أن هذا التحول يحمل أبعاداً اقتصادية تتجاوز البيئة. فالتوسع في الطاقة المتجددة يخلق قطاعات صناعية جديدة، ويجذب استثمارات أجنبية، ويعزز موقع الدولة في سلاسل القيمة العالمية للطاقة النظيفة. كذلك يمنحها مرونة أكبر في التعامل مع تقلبات أسواق النفط، ويؤسس لمرحلة اقتصادية أقل اعتماداً على مورد واحد.
في المحصلة، لا تعني الطاقة المتجددة في الإمارات نهاية عصر النفط، بل بداية مرحلة جديدة تتعايش فيها مصادر الطاقة المختلفة من ضمن منظومة أكثر توازناً واستدامة. فالدولة التي كانت يوماً من أبرز منتجي النفط، تسعى اليوم إلى أن تكون أيضاً من أبرز منتجي الطاقة النظيفة. إنه تحول لا يقوم على القطيعة، بل على إعادة التوازن – ومن خلال إعادة التوازن، تعيد الإمارات تعريف نفسها كدولة فاعلة في قطاع الطاقة في عالم يتجه سريعاً نحو مرحلة ما بعد انبعاثات الكربون.



