بين هدير البحر وصوت الأمواج، ووسط رحلات الغوص الطويلة التي كانت تمتد لأشهر في الخليج العربي، وُلد فن "النهمة" كواحد من أكثر الفنون الأدائية ارتباطاً بالذاكرة البحرية، بل كان يعتبر صوتاً جماعياً يحمل التعب والحنين والأمل، ويمنح رجال البحر القدرة على مقاومة قسوة الرحلة ووحدة المسافات.
ويُعد "النهمة" من أقدم الفنون الشعبية البحرية في الإمارات والخليج، وارتبط تاريخياً بمهنة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ التي شكّلت لسنوات طويلة العمود الفقري للحياة الاقتصادية في المنطقة قبل اكتشاف النفط. وخلال تلك الرحلات، كان البحارة يقضون أسابيع وأحياناً أشهراً في عرض البحر، يعملون تحت حرارة الشمس وفي ظروف شاقة، ليصبح الغناء جزءاً أساسياً من تفاصيل حياتهم اليومية.
ويُطلق اسم "النهّام" على الشخص الذي يؤدي هذا الفن، وهو صاحب صوت قوي وعميق يمتلك قدرة خاصة على تحريك مشاعر البحارة ورفع معنوياتهم. ولم يكن اختيار النهّام أمراً عشوائياً، بل كان يحظى بمكانة مهمة داخل السفينة، نظراً إلى دوره النفسي والمعنوي بين أفراد الطاقم.

فن "النهمة"
وكانت أغاني "النهمة" تُؤدى في أوقات مختلفة من الرحلة البحرية، فلكل مرحلة لحنها وإيقاعها الخاص. هناك أغانٍ تُغنى أثناء رفع الأشرعة، وأخرى خلال سحب الحبال أو الغوص أو العودة إلى اليابسة. وكانت الإيقاعات تتناغم مع حركة العمل نفسها، فيتحول الغناء إلى وسيلة لتنظيم الجهد الجماعي وتخفيف التعب.
ويتميّز فن "النهمة" بطابعه العاطفي العميق، إذ تحمل كلماته الكثير من الحنين إلى الأهل والبيوت، والخوف من البحر، والأمل بالعودة والرزق. كما يعكس ارتباط الإنسان الخليجي بالبحر باعتباره مصدر حياة وتحدٍ في الوقت نفسه. ولهذا، كثيراً ما تبدو "النهمة" أقرب إلى حوار بين البحّار والبحر، أو بين الإنسان ووحدته الطويلة في عرض الماء.

WhatsApp Image 2026-05-30 at 10.55.54
ومن الناحية الموسيقية، يعتمد هذا الفن على الأداء الصوتي بشكل أساسي، مع حضور محدود لبعض الإيقاعات البسيطة، ما يجعل قوة الصوت والإحساس العنصر الأهم في الأداء. ويتميز النهّام بقدرته على التنقل بين طبقات صوتية مختلفة، وإطالة النَفَس بطريقة تمنح الأغنية طابعاً مؤثراً ومهيباً.
ورغم تغيّر الحياة الحديثة واختفاء رحلات الغوص التقليدية، ما زال فن "النهمة" يحتفظ بمكانته في التراث الإماراتي، إذ يُقدَّم اليوم في المهرجانات الثقافية والفعاليات التراثية التي تهدف إلى الحفاظ على الفنون الشعبية القديمة وتعريف الأجيال الجديدة بها.

فن "النهمة"
كما أصبح هذا الفن جزءاً من الهوية الثقافية البحرية للإمارات، لما يحمله من رمزية تعبّر عن مرحلة تاريخية مهمة عاشها أهل الخليج، حينما كان البحر مصدر الرزق والسفر والمغامرة. وفي كثير من الفعاليات التراثية، يعود صوت النهّام ليعيد إحياء ذاكرة السفن الخشبية ورحلات اللؤلؤ وأغاني البحارة التي كانت تملأ البحر ليلاً.
ولا تكمن قيمة "النهمة" في كونها فناً غنائياً فقط، بل في كونها وثيقة شفوية تحفظ مشاعر الناس وتفاصيل حياتهم في زمن ما قبل الحداثة. فهي تختصر علاقة الإنسان الإماراتي بالبحر، وتروي قصة الصبر والعمل الجماعي والحنين بصوتٍ ما زال قادراً حتى اليوم على إثارة الدهشة والوجدان.

WhatsApp Image 2026-05-30 at 10.55.54 (1)



