في زمن تتزايد فيه التحديات البيئية وتتسارع وتيرة الاستهلاك، قد تبدأ رحلة الاستدامة من قطعة ملابس قديمة، أو قماش لم يعد مستخدماً بعد سنوات من الاستعمال. ما كان يُنظر إليه يوماً كنفايات، أصبح اليوم جزءاً من رؤية وطنية تسعى إلى تحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية، وذلك من خلال مبادرة "نسيج" الوطنية لإعادة تدوير المنسوجات في دولة الإمارات.

رئيس الدولة خلال استماعه إلى عرض حول مبادرة "نسيج" بقصر البحر في أبوظبي. وام
بات العالم يشهد تزايداً كبيراً في حجم النفايات الناتجة من صناعة الأزياء والمنسوجات، وهي من أكثر الصناعات استهلاكاً للموارد الطبيعية وإنتاجاً للمخلفات. وفي ظل هذا الواقع، اختارت الإمارات أن تتعامل مع القضية بمنظور مختلف، لا يقوم على التخلص من النفايات فحسب، بل على إعادة دمجها في دورة اقتصادية جديدة أكثر استدامة.
وجاء إطلاق مبادرة "نسيج" تنفيذاً لتوجيهات رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لتشكل خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة متكاملة لإعادة تدوير المنسوجات، ودعم التحول نحو الاقتصاد الدائري الذي يقوم على إعادة الاستخدام والاستفادة القصوى من الموارد بدلاً من استنزافها.
وتحمل المبادرة في اسمها دلالة رمزية عميقة؛ فخيوط النسيج تتشابك لتشكّل قطعة ملابس واحدة، تسعى المبادرة إلى ربط مختلف الجهات الحكومية والخاصة والمجتمعية ضمن منظومة واحدة تعمل من أجل هدف مشترك يتمثل في حماية البيئة وتعزيز الاستدامة.
ولا تقتصر أهمية "نسيج" على الجانب البيئي فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية واسعة. فمن خلال جمع المنسوجات المستعملة وفرزها وإعادة تدويرها، تفتح المبادرة الباب أمام إنشاء صناعات جديدة وفرص استثمارية واعدة في مجال إعادة التدوير والتصنيع المستدام، بما يسهم في تنويع الاقتصاد الوطني ودعم الصناعات الخضراء.
كما تعكس المبادرة توجهاً متنامياً نحو تغيير الثقافة الاستهلاكية في المجتمع. فبدلاً من التعامل مع الملابس والمنسوجات بوصفها منتجات تنتهي صلاحيتها بمجرد انتهاء استخدامها الأول، تشجع "نسيج" على النظر إليها كمواد قابلة لإعادة التوظيف والاستفادة منها مرات عديدة، سواء عبر إعادة التدوير أم إعادة التصنيع أم الاستخدام بطرق مبتكرة.
وتنسجم المبادرة مع رؤية الإمارات الرامية إلى ترسيخ مكانتها ضمن الدول الرائدة عالمياً في مجالات الاستدامة والعمل المناخي. فالدولة التي استثمرت خلال السنوات الماضية في الطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر، توسّع اليوم نطاق جهودها ليشمل قطاع المنسوجات، أحد القطاعات التي تشهد اهتماماً متزايداً عالمياً بسبب تأثيرها البيئي الكبير.
وفي جوهرها، تروي "نسيج" قصة تحول في طريقة التفكير قبل أن تكون مشروعاً لإدارة النفايات. إنها دعوة إلى إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والموارد التي يستخدمها يومياً، وتأكيد أن الاستدامة لا تبدأ دائماً من المشاريع الضخمة، بل قد تبدأ من قطعة قماش تجد طريقاً جديداً للحياة بدلاً من أن تنتهي في مكب للنفايات، لترسم الإمارات بذلك نموذجاً جديداً لكيفية تحويل المخلفات إلى قيمة، والموارد المستهلكة إلى فرص، في رحلة مستمرة نحو اقتصاد أكثر استدامة وبيئة أكثر توازناً للأجيال المقبلة.



