قبل أن يصبح وجهة للمغامرين وعشاق الطبيعة، كان جبل جيس جزءاً من ذاكرة الأرض نفسها. على سفوحه مرّت ملايين السنين تاركة آثارها في الصخور، وفي وديانه عبر الرعاة والمسافرون بحثاً عن الماء والظل والطريق. ظلّ الجبل واقفاً هناك، يراقب بصمت تحولات المكان من حوله، من البحر القديم الذي انحسر عن صخوره، إلى القرى التي تشبثت بمنحدراته، وصولاً إلى دولة حديثة صنعت من الطموح أسلوب حياة. واليوم، لا يقدّم جبل جيس مجرد مشهد بانورامي من أعلى قمة في الإمارات، بل يقدّم رحلة بين زمنين: زمن الطبيعة الذي لا يعترف بالعجلة، وزمن الإنسان الذي لا يتوقف عن الحلم.

متعة المغامرة على ارتفاع ألفي متر
على ارتفاع يناهز 1934 متراً فوق سطح البحر، يقف جبل جيس كأعلى قمة في دولة الإمارات العربية المتحدة. لكن سرّه لا يكمن في الارتفاع وحده، بل في ذلك الإحساس النادر الذي ينتاب الزائر وهو يشاهد المدن تتراجع خلفه شيئاً فشيئاً، فيما تتقدم الجبال بألوانها الرمادية والحمراء لتملأ الأفق بمشهد أقرب إلى لوحة طبيعية هائلة.

المشهد أقرب الى لوحة طبيعية
ينتمي الجبل إلى سلسلة جبال الحجر التي تشكلت قبل أكثر من سبعين مليون سنة، عندما كانت هذه المنطقة جزءاً من تحولات جيولوجية كبرى رسمت ملامح الأرض كما نعرفها اليوم. لذلك لا تبدو الصخور هنا مجرد تضاريس جامدة، بل صفحات مفتوحة من تاريخ طويل ما زالت آثاره حاضرة في الأحافير والتكوينات الصخرية المنتشرة على امتداد السفوح والوديان.

جبال تشكلت قبل أكثر من 70 مليون سنة
أما اسم جيس، فتدور حوله روايات شعبية متعددة. فبعض المصادر المحلية تربطه بالفعل العربي "جاس"، أي "تفقد المكان واستكشفه"، بينما تربطه روايات أخرى بأصوات الرياح القوية التي كانت تعبر الوديان الضيقة وتترك صدى يشبه الهمس أحياناً والرعد أحياناً أخرى. وبين الروايات والأساطير يبقى الاسم جزءاً من هوية المكان وغموضه المحبب.

جيس فلايت
ما يميز جبل جيس أنه يمنح الزائر فرصة نادرة لرؤية وجه مختلف للإمارات. فبعيداً من الأبراج الزجاجية والواجهات البحرية، تظهر هنا طبيعة جبلية وعرة تحتضن أشجار السدر والتين البري والأعشاب الموسمية، فيما تتنقل الماعز الجبلية والطيور النادرة بين المنحدرات التي تبدو أحياناً وكأنها تلامس الغيوم.

مسارات طويلة خلف قمم الحجر
وفي السنوات الأخيرة تحوّل الجبل إلى واحدة من أبرز وجهات المغامرات في المنطقة. فمن قمته تنطلق "جيس فلايت"، أطول مسار انزلاقي في العالم، حيث يحلق الزوار فوق الوديان بسرعة كبيرة، بينما توفر "جيس سليدر" تجربة مختلفة تنساب بين المنعطفات الجبلية وسط مشاهد بانورامية آسرة. أما عشاق المشي الجبلي، فتنتظرهم مسارات طويلة تكشف وجهاً أكثر هدوءاً للجبل، حيث يصبح الصمت جزءاً من التجربة.

إطلالة ساحرة
وعلى ارتفاع 1484 متراً، يستقبل أعلى مطعم في الإمارات زواره بإطلالة تجعل الوجبة نفسها جزءاً من المشهد. ومع اقتراب المساء، تبدأ الشمس بالانحدار خلف قمم الحجر، فتتحول السماء إلى لوحة من الألوان المتدرجة، فيما يغرق الوادي في ظلال طويلة تمنح المكان رهبة خاصة.

أطول مسار انزلاقي
لكن أجمل ما في جبل جيس ربما ليس المغامرة ولا الارتفاع، بل تلك اللحظة التي يقف فيها الزائر عند إحدى منصات المشاهدة، وينظر بعيداً نحو الأفق المفتوح. هناك، يدرك أن الإمارات ليست فقط قصة مدن حديثة صنعت المستقبل، بل أيضاً قصة جبال صامتة حفظت ذاكرة الأرض لملايين السنين.



