
يراقبان مشهد الغروب. (أ.ف.ب)
لم يعد التقاعد في الإمارات يعني بالضرورة الخروج النهائي من سوق العمل أو الاعتماد على دخلٍ شهري واحد، فبينما تتوسع قاعدة المؤمَّن عليهم وترتفع مدفوعات المعاشات، أعادت التشريعات ترتيب العلاقة بين سنوات الخدمة، والمعاش، والعودة إلى الوظيفة، بما يحوّل مرحلة ما بعد التقاعد إلى نموذج دخل أكثر تنوعاً، وإن كان محكوماً بشروط تختلف باختلاف النظام التأميني والإمارة وتاريخ التسجيل.
يقول أيمن جاد، وهو مهندس مدني مقيم في الإمارات منذ 18 عاماً ويحمل الإقامة الذهبية ويعمل مديراً للعمليات في شركة (Burtvill Real Estate Development)، إنه في النظام الاتحادي الذي تديره الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية، يستطيع صاحب المعاش العودة إلى العمل، لكن حصوله على الراتب والمعاش معاً لا يتم تلقائياً في كل الحالات.
وبموجب القانون الاتحادي الرقم 7 لسنة 1999، الذي لا يزال يغطي معظم المتقاعدين الحاليين والمسجلين قبل 31 أكتوبر 2023، يمكن لمن أمضى 25 عاماً أو أكثر في خدمة حكومية مؤهلة الجمع بين المعاش والراتب من دون سقف، ضمن الضوابط القانونية.
أما القانون الاتحادي الرقم 57 لسنة 2023 الذي يطبق على المواطنين الجدد المسجلين اعتباراً من 31 أكتوبر 2023، فيمنح الحق في الجمع الكامل بين المعاش ومقابل العمل لمن بلغت مدة اشتراكه 30 عاماً، وإذا عاد المتقاعد إلى وظيفة خاضعة للقانون قبل استيفاء هذا الشرط، فيتوقف صرف المعاش عندما يساوي أجره الجديد قيمة المعاش أو يتجاوزها، بينما يصرف له الفرق فقط إذا كان الأجر أقل من المعاش.
فاتورة معاشات تتسع
يظهر حجم التحوّل من بيانات الهيئة العامة للمعاشات، ففي أغسطس 2025، صرفت الهيئة 843.9 مليون درهم لنحو 49,940 متقاعداً ومستفيداً، في مقابل 801.2 مليون درهم و48,790 مستفيداً في الشهر نفسه من 2024، وبذلك زادت المدفوعات نحو 42.7 مليون درهم، أو أكثر من 5%، خلال عام واحد، فيما ارتفع عدد المستفيدين نحو 1,150 شخصاً.
ولم تكن الزيادة محصورة بشهر واحد، ففي كانون الثاني (يناير) 2025، بلغت المدفوعات 807.9 ملايين درهم لنحو 49,200 متقاعد ومستفيد، مرتفعة من 749 مليون درهم و46,651 مستفيداً قبل عام.
وفي يونيو 2025، وصلت المدفوعات إلى 834.5 مليون درهم لنحو 49,984 مستفيداً، مقارنة بـ 782.6 مليون درهم و48,335 مستفيداً في حزيران (يونيو) 2024.
الزيادة في المدفوعات تعكس اتساع الالتزامات المالية للمنظومة، لكنها تتزامن أيضاً مع زيادة قاعدة الاشتراكات، فقد بلغ عدد المؤمَّن عليهم المسجلين لدى الهيئة 166,411 شخصاً حتى آب/ أغسطس 2025، بزيادة 16% على أساس سنوي، بينما ارتفع عدد جهات العمل المسجلة 47.6% إلى 27,235 جهة.
وبالنسبة إلى صناديق التقاعد، فكل موظف يستمر في العمل أو يعود إليه يمثل تدفقاً إضافياً للاشتراكات، وفي الوقت نفسه يؤجل أو يعيد ضبط بعض الالتزامات المستقبلية، أما بالنسبة إلى الأفراد، فيقول جاد إن المعادلة تصبح مرتبطة بجودة القرار المالي: هل الأفضل بدء المعاش مبكراً، أم تمديد سنوات الخدمة لرفع قيمة الدخل التقاعدي، أم العودة إلى وظيفة جديدة بشروط تسمح بتعظيم الدخل الإجمالي؟
سنوات الخدمة أصبحت أصلاً مالياً
ويحدد القانون حداً أدنى للمعاش يبلغ 10 آلاف درهم شهرياً للمؤمن عليه الخاضع لأحكامه، فيما يمنح من تتجاوز مدة اشتراكه 35 عاماً مكافأة إضافية تعادل راتب ثلاثة أشهر عن كل سنة زائدة، محسوبة على أساس راتب حساب المعاش.
تلك الصيغة تجعل قرار البقاء في العمل بعد استيفاء الحد الأدنى للتقاعد قراراً استثمارياً بقدر ما هو وظيفي، فالموظف لا يضيف سنوات خدمة فحسب، بل يرفع نسبة المعاش المحتمل، ويقترب من القدرة على الجمع بين المعاش والأجر، وقد يحصل على مكافأةٍ إضافية إذا تجاوزت خدمته 35 عاماً.
وتقول الهيئة إن الغرض من القانون الجديد هو الاستفادة من الخبرات الإماراتية لأطول مدة ممكنة في سوق العمل، مع تحقيق توازن بين الاشتراكات والاستحقاقات يضمن استدامة الصندوق للأجيال المقبلة.
أنظمة متعددة في كل الإمارات
رغم أن قواعد الهيئة الاتحادية تمثل الجزء الأوسع من منظومة التقاعد الوطنية، فإن المشهد الإماراتي ليس موحداً بالكامل؛ فالهيئة العامة للمعاشات تغطي المواطنين العاملين في الجهات الاتحادية والحكومية والخاصة الواقعة ضمن نطاقها، لكنها تستثني المواطنين العاملين في القطاعين الحكومي والخاص في أبوظبي، وموظفي القطاع الحكومي في الشارقة.
في أبوظبي، يتولى صندوق أبوظبي للتقاعد إدارة معاشات المواطنين العاملين في الإمارة. وتشير أدلة الصندوق إلى أن صاحب المعاش يمكنه العودة إلى العمل، لكنه لا يستطيع، كقاعدة عامة، الجمع بين المعاش والراتب لدى جهة عمل خاضعة للصندوق، ما لم تنطبق عليه استثناءات أو يختار وقف المعاش وإعادة التسجيل وفقاً للقواعد المنظمة.
هذا الاختلاف مهم عند قراءة عنوان واسع مثل "العمل بعد التقاعد في الإمارات"، فالإمكانية قائمة، لكن أثرها على الدخل يعتمد على الجهة المنظمة، ومدة الخدمة، وطبيعة الوظيفة الجديدة، وتاريخ دخول الموظف إلى النظام التأميني.



