على بعد دقائق من قلب أبوظبي، تتبدّل ملامح المشهد على نحو مفاجئ. تتراجع الأبراج الزجاجية والطرق السريعة إلى الخلف، لتحل محلها ممرات مائية هادئة تمتد بين غابات القرم الكثيفة. في جزيرة الجبيل الواقعة بين جزيرتي ياس والسعديات، يقف متنزّه قرم الجبيل كواحدة من أهم الوجهات البيئية في دولة الإمارات، ونافذة مفتوحة على عالم طبيعي.

ممرات خشبية تميز متنزّه قرم الجبيل
تبدأ الزيارة فوق ممر خشبي يمتد وسط الغابة، لكن الرحلة في حقيقتها تبدأ قبل ذلك بكثير، من قصة هذه الأشجار التي استطاعت أن تزدهر في بيئة تبدو مستحيلة. فغابات القرم، التي تنمو في المياه المالحة والضحلة، شكّلت عبر التاريخ خط الدفاع الطبيعي الأول لسواحل أبوظبي، وحاضنةً للحياة البحرية والطيور المهاجرة، ومصدراً للتوازن البيئي الذي حافظ على استمرارية هذا النظام الطبيعي الفريد.
ومع أولى الخطوات داخل المتنزّه، تتكشف جغرافيا مختلفة عن الصورة النمطية للصحراء الإماراتية. فالمياه هنا ليست حدوداً تفصل اليابسة عن البحر، بل شرايين تتسلل بين الأشجار والجزر الصغيرة. وتبدو الجذور المغمورة وكأنها منحوتات طبيعية رسمتها حركة المد والجزر على مدى عقود طويلة.

المياه شرايين تتسلل بين الأشجار والجزر الصغيرة
ويمتد متنزّه قرم الجبيل داخل واحدة من أكبر البيئات الساحلية المحميّة في إمارة أبوظبي، حيث تغطي غابات القرم مساحات واسعة من الجزيرة التي تمتد على آلاف الهكتارات. وقد تحولت المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج يجمع بين الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة، عبر توفير تجربة سياحية وتعليمية تسمح للزوار بالتعرّف إلى قيمة هذا الإرث الطبيعي من دون الإخلال بتوازنه الحسّاس.
وعلى طول الممرات الخشبية، تتبدّل المشاهد باستمرار. أسراب الطيور تحلّق فوق المسطحات المائية، فيما تتخذ أنواع عديدة من الطيور المقيمة والمهاجرة من هذه المنطقة محطة موسمية في رحلاتها الطويلة بين القارات. ويمكن للزائر أن يلمح مالك الحزين، وطيور الفلامنغو في بعض المواسم، إلى جانب أنواع أخرى تجد في هذه البيئة ملاذاً مثالياً للغذاء والتكاثر.

تتخذ أنواع عديدة من الطيور المقيمة والمهاجرة من هذه المنطقة محطة موسمية
أما تحت سطح الماء، فتستمر الحياة بوتيرة لا تقل حيوية، إذ تشكل الجذور المتشابكة موطناً طبيعياً للأسماك الصغيرة والقشريات والكائنات البحرية التي تعتمد عليها دورة الحياة في الخليج العربي. وتظهر السلاحف البحرية أحياناً قرب السطح، في مشهد يختصر العلاقة العميقة بين اليابسة والبحر في هذا الركن الهادئ من أبوظبي.

هدوء وطبيعة خلابة
لكن أهمية غابات القرم لا تقتصر على التنوّع البيولوجي فحسب. فهذه الأشجار تؤدّي دوراً بيئياً بالغ الأهمية في مواجهة التغيّر المناخي، إذ تُعد من أكثر النظم الطبيعية قدرة على امتصاص الكربون وتخزينه لفترات طويلة داخل التربة الساحلية. وتسهم في الحد من تآكل الشواطئ، وحماية السواحل من تأثير الأمواج والعواصف، ما جعلها محوراً رئيسياً في برامج الاستدامة البيئية التي تتبنّاها دولة الإمارات.

لقطة ساحرة لمتنزه قرم الجبيل
ولمن يرغب في الاقتراب أكثر من هذا العالم الطبيعي، يوفر المتنزّه مجموعة من الأنشطة التي تسمح باستكشاف المكان من زوايا مختلفة. فإلى جانب التجوال سيراً على الأقدام، يمكن خوض تجربة التجذيف بقوارب الكاياك بين الممرّات المائية الضيقة، أو المشاركة في الجولات الإرشادية التي تقدّم شرحاً لتاريخ المنطقة وأهميتها البيئية والكائنات التي تعيش فيها.
وفي ساعات الصباح الأولى، يكتسب المكان طابعاً مختلفاً. ينساب الضوء الذهبي فوق سطح المياه، وتنعكس ظلال الأشجار على الممرات الهادئة، فيما تتحول الغابة إلى مساحة مفتوحة للتأمّل. أما عند الغروب، فتتداخل ألوان السماء مع زرقة المياه وخضرة الأشجار في مشهد يجعل من الجزيرة واحدة من أكثر بقاع أبوظبي سحراً.

أكثر من ثلاثين كيلومتراً من الواجهات المائية
ولا يمكن الحديث عن متنزّه قرم الجبيل من دون التوقف عند جزيرة الجبيل نفسها، التي باتت خلال السنوات الأخيرة نموذجاً للتوازن بين التطوير العمراني والحفاظ على الطبيعة. فالجزيرة، التي تضم أكثر من ثلاثين كيلومتراً من الواجهات المائية، ما تزال تحتفظ بجزء كبير من بيئاتها الأصلية، لتقدّم صورة مختلفة عن أبوظبي. صورة لا تقوم على الحداثة وحدها، بل على علاقة متجذرة مع البحر والبيئة الساحلية.

ممرات خشبية وأصوات الطيور
في نهاية الرحلة، يدرك الزائر أن متنزّه قرم الجبيل ليس مجرّد وجهة للتنزّه أو التقاط الصور. إنه مكان يروي جانباً من تاريخ أبوظبي الطبيعي، ويكشف كيف استطاعت أشجار تنمو في الماء المالح أن تصنع منظومة حياة كاملة. وبين الممرات الخشبية والمياه وأصوات الطيور، تبدو الغابة كأنها تهمس بحكاية أقدم من المدينة نفسها.



