في الأزقة الضيقة المتفرعة من سوق الذهب في ديرة، حيث تختلط أصوات التجّار برائحة العود والبخور، يقف بيت قديم لا يشبه ما حوله. بوابة خشبية عتيقة تفتح الطريق إلى عالم تتقدّم فيه الوجوه قبل المقتنيات، وتنهض من زواياه حكايات نساء شاركن في صناعة ذاكرة الإمارات.

ذاكرة الإمارات بعيونهن
ما إن يعبر الزائر عتبة "بيت البنات" حتى يجد نفسه أمام سردية مختلفة للإمارات. فمتحف المرأة، الذي أسّسته الدكتورة رفيعة غباش، لا يكتفي بعرض مقتنيات ووثائق من الماضي، بل يفتح نافذة على حكايات نساء شاركن في بناء المجتمع وصناعة ملامحه. إنه رحلة عبر الذاكرة الإماراتية من زاوية قلّما حضرت في السرديات التقليدية للتاريخ، حيث تتقدم المرأة بوصفها شاهدة على التحوّلات وشريكة في صنعها.
منذ الخطوة الأولى، يشعر الزائر بأنه يعبر من زمن إلى آخر. الممر الضيق الذي يستعيد هيئة سكك دبي القديمة يقود إلى "ذاكرة المكان"، حيث تتجاور الصور والوثائق والمقتنيات الشخصية لتشكل فسيفساء واسعة من حياة الإماراتيين. وجوه تنظر من الماضي، ورسائل وصور عائلية وأشياء صغيرة نجت من النسيان لتروي حكايات أصحابها.

قطعة تراثية تحفظ ملامح من حياة المرأة الإماراتية
في القاعة الرئيسية، يتسع المشهد. هنا تُستعرض أدوار النساء في مختلف مراحل تاريخ الإمارات، من شخصيات أسهمت في الاستقرار الاجتماعي والسياسي، إلى رائدات التعليم والثقافة والصحّة والعمل النسائي. تتوزّع الوثائق والصور لتروي كيف كانت المرأة حاضرة في الاقتصاد والتجارة، وكيف شاركت في التعليم منذ زمن المطوّعات وصولاً إلى أوائل الإماراتيات الحاصلات على الشهادات العليا.

صور ووثائق تروي كيف كانت المرأة حاضرة في الاقتصاد والتجارة
لكن المتحف لا يكتفي بسرد الأدوار العامة. فهو ينزل إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تُعرض الأزياء التقليدية والمجوهرات والحليّ، وأدوات الزينة والعطور، والأواني المنزلية ومستلزمات حفظ الطعام وتربية الأبناء. كلّ قطعة هنا تبدو كأنها تحمل جزءاً من سيرة امرأة عاشت زمناً مختلفاً، لكنها ما زالت حاضرة عبر ما تركته خلفها.
وفي إحدى الزوايا، تفوح رائحة الطبّ الشعبي. أعشاب وأدوات كانت النساء يستخدمنها للتداوي وصناعة الوصفات العلاجية، شاهدة على خبرات تراكمت عبر الأجيال قبل ظهور الطبّ الحديث. إلى جانبها تحضر مساحيق التجميل والعطور التقليدية التي صنعتها النساء من مكوّنات البيئة المحلية.
ثم تأتي القاعة الأكثر إدهاشاً بصرياً: قاعة الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي، "فتاة العرب". تبدو القاعة كأنها قطعة من الصحراء دخلت إلى قلب المتحف. تموّجات الجدران تستعيد شكل الكثبان الرملية، فيما تنساب أبيات الشعر على المساحات المحيطة بالزائر. في الوسط، تستقرّ مقتنيات الشاعرة ودفاترها الأصلية، بينما تنبعث تسجيلات صوتية لقصائدها، فتتحوّل الزيارة إلى لقاء حيّ مع واحد من أبرز الأصوات الشعرية في الإمارات.

مصاغ وحلي
ولا يكتفي المتحف بالاحتفاء بالأسماء المعروفة، بل يفتح أبوابه لنساء ربما لم تتردّد أسماؤهن كثيراً في وسائل الإعلام، لكنهن تركن أثراً عميقاً في مجتمعاتهن. من بينهن منيرة بنت أحمد المزروع، التي اشتهرت بتجبير الكسور وعلاج المرضى، كما أتقنت التصوير الفوتوغرافي وصناعة المجسّمات وإصلاح البنادق. وفي ركن آخر، تحضر سيرة عوشة بنت حسين آل لوتاه، المرأة التي سبقت عصرها في الفكر والتعليم وتحمل مسؤوليات الأسرة.
ويمضي الزائر إلى "قلب المكان"، حيث تتحوّل السيرة الشخصية إلى نافذة لفهم المجتمع كله. صور ووثائق ومقاطع مصوّرة تستعيد حياة نساء امتلكن حضوراً استثنائياً، وأسهمن في تغيير النظرة التقليدية لدور المرأة من دون أن يفقدن ارتباطهن بقيم مجتمعهن.
في الطابق المخصّص للفنون، يفتح "غاليري بيت البنات" مساحة لإبداعات الفنانات الإماراتيات، بينما يواصل المتحف أداء دوره الثقافي من خلال مركز دراسات المرأة، الذي يضم مكتبة متخصّصة ومراجع وأبحاثاً ومؤلفات توثّق تجربة المرأة الإماراتية وتاريخها.
أما الأطفال، فلهم نصيبهم من الرحلة. ففي ركن فاطمة بنت الزينة، تستعاد تجربة المطوّعات اللواتي علّمن أجيالاً من أبناء الإمارات، في محاولة لربط الجيل الجديد بتراثه الثقافي والمعرفي.
وفي نهاية الجولة، يصل الزائر إلى ركن "أم الدويس" للعطور والهدايا، حيث تمتزج المنتجات التراثية بالعطور والبخور والكتب التوثيقية، كأن المتحف يتيح لزوّاره أن يحملوا معهم جزءاً من الحكاية إلى الخارج.

بيت البنات... أجيال وتجارب
غير أن القيمة الحقيقية لهذا المكان لا تكمن في مقتنياته وحدها، بل في الفكرة التي قام عليها. فبين جدران "بيت البنات" لا تُعرض الأشياء بوصفها قطعاً أثرية صامتة، بل بوصفها شواهد على حياة أكثر من ثلاثمئة امرأة إماراتية، فيما يمتدّ مشروع التوثيق إلى آلاف السير النسائية التي تسعى موسوعة المرأة الإماراتية إلى حفظها للأجيال المقبلة.
عندما يغادر الزائر المتحف ويعود إلى صخب سوق الذهب، يدرك أن ما شاهده لم يكن مجرّد عرض لتاريخ النساء، بل قراءة أخرى لتاريخ الإمارات نفسه. تاريخ كتبته النساء أيضاً، بصمت أحياناً، وبشجاعة في أحيان كثيرة، وتركْن آثاره واضحة على جدران الذاكرة.



