لا
يبدأ التعليم من الالتحاق بالفصل الدراسي، ولا ينتهي بالابتهاج بالشهادة. يبدأ من
سؤال أعمق: كيف تُبنى دولة حديثة في بيئة مفتوحة، قليلة السكان نسبياً، شديدة
التنوّع، وسريعة التحوّل؟
في
التجربة الإماراتية، لا يُعامَل التعليم كخدمة اجتماعية تُستكمَل عند كل مرحلة من
مراحل اكتمال الاقتصاد، ولا كشعار يُرفَع عند الحديث عن المستقبل، بل كجزء بنيوي
من هندسة الدولة نفسها، موازٍ للبنية التحتية والحوكمة والسياسة الاقتصادية.
منذ قيام الاتحاد
الإماراتي، ارتبط التعليم بفكرة بناء الإنسان القادر على إدارة دولة لا تستند إلى
الكثافة العددية، بل إلى نوعية المهارات، والانفتاح على العالم، والقدرة على
التكيّف مع اقتصاد لم يكن قد تبلور بعد. في البدايات، كان التحدّي الأساسي هو
توسيع قاعدة التعليم العام ومحو الأمّية، في مجتمع كان لا يزال في طور التشكّل.
لكن
هذا التحدّي سرعان ما تحوّل، مع تسارع النموّ الاقتصادي والديموغرافي، إلى سؤال
أكثر تعقيداً: كيف تُدار منظومة تعليمية تخدم مجتمعاً متعدّد الجنسيات، وتستبق
احتياجات سوق عمل تتغيّر بوتيرة متسارعة؟
الانتقال
من التعليم كخدمة إلى التعليم كنظام دولة لم يكن تلقائياً. تطلّب قرارات سياسية
واضحة، واستثمارات مستمرة، وبناء أطر تنظيمية توازن بين الانفتاح والضبط. لم يُنظَر
إلى التعليم بوصفه بنداً قابلاً للتقليص في فترات التباطؤ، بل كاستثمار بعيد الأجل
في التنمية المجتمعية وقدرة البلاد التنافسية. لهذا يظلّ التعليم يحتفظ بمكانة
ثابتة في السياسات العامة، حتى في لحظات التحوّل الاقتصادي.

على
المستوى الاتحادي، تعكس الميزانيات العامة هذا التوجّه: خصصت ميزانية عام 2025
الاتحادية نحو 10,914 مليارات درهم (2,97 مليار دولار تقريباً) لبرامج التعليم
العام والعالي، أي ما يعادل 15.3 في المئة من إجمالي الإنفاق الاتحادي. وقبلها، خصّصت
ميزانية عام 2024 نحو 10,2 مليارات درهم (2,78 مليار دولار تقريباً) للتعليم العام
والجامعي. هذه الأرقام تمثّل الشق الاتحادي من التمويل، بينما تُدار منظومة
التعليم كذلك عبر ميزانيات وسياسات على مستوى الإمارات، من ضمن إطار وطني متعدد
المستويات.
غير
أن حجم الإنفاق، مهما بلغ، لا يشرح وحده طبيعة النظام. يكمن الفارق الحقيقي في
تنويع البنية التعليمية. فالتعليم في الإمارات لا يستند إلى نموذج واحد أو مسار
وحيد. إلى جانب التعليم الحكومي، نشأ قطاع تعليمي متنوّع يضم مدارس وجامعات تتبع
مناهج بريطانية وأميركية ودولية وبكالوريا دولية، إلى جانب نماذج وطنية مطوّرة.
هذا التنوّع لم يُترَك لقوى السوق وحدها. تحتفظ الدولة بدور المنظّم، من خلال أطر
اعتماد ومساءلة، تضمن حداً أدنى من الجودة، وتربط التعليم بالاحتياجات المجتمعية
والاقتصادية الأوسع.
في
هذا الإطار، تؤدي وزارة التربية والتعليم الإماراتية دوراً محورياً في إعادة تعريف
وظيفة التعليم العام. لقد شملت الإصلاحات التي طُبِّقت خلال العقدين الماضيين من
الزمن تحديث المناهج، وتطوير مهارات التفكير النقدي، وتعزيز تعليم العلوم
والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتوسيع استخدام التعليم الرقمي. لم يكن الهدف مجرّد
تحسين المؤشرات، بل بناء نظام قادر على التطوّر المستمر، لا على تحقيق قفزة ظرفية.
يشكّل
التعليم العالي ركناً مكمّلاً في هذه المنظومة. بدلاً من الاكتفاء بإرسال الطلبة
إلى الخارج، سعت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى توطين التعليم العالي العالمي.
اليوم، تستضيف الدولة طيفاً واسعاً من الجامعات الوطنية والدولية، من ضمن بيئة
تنظيمية تسعى إلى الجمع بين الانفتاح والجودة. ووفق بيانات وزارة التعليم العالي
والبحث العلمي، استقبلت 66 مؤسسة للتعليم العالي 57,035 طالباً جديداً في السنة
الأكاديمية 2024-2025، بزيادة تقارب 13 في المئة مقارنة بالسنة السابقة. لا تعكس هذه
الأرقام حجم القطاع وحده، بل كذلك مدى تطوّر سبل إدارته في سوق تعليمية مفتوحة.

بل
كذلك مدى تطوّر سبل إدارته في سوق تعليمية مفتوحة.
لم
يكن وجود الجامعات الدولية داخل الدولة خياراً رمزياً. لقد أسهم في نقل المعرفة،
وتوطين البحث العلمي، وربط التعليم العالي بسوق العمل المحلية والإقليمية. كذلك
أتاح للطلبة بيئة تعليمية عالمية نفت الحاجة إلى الهجرة المبكرة، وهو ما ينسجم مع
رؤية الدولة لبناء رأس مال بشري مستقر وقادر على العمل داخل الاقتصاد الوطني.
لكن التعليم، في الرؤية الإماراتية، لا يقتصر على
المدرسة والجامعة.
يصبح
التعليم التقني والمهني جزءاً متزايد الأهمية من المنظومة، إدراكاً لحقيقة أن
الاقتصادات الحديثة لا تستند إلى المسارات الأكاديمية وحدها. المعاهد التقنية،
وبرامج التدريب المهني، والشراكات مع القطاع الخاص، كلها أدوات لتوسيع قاعدة
المهارات، ولا سيما في قطاعات مثل الطيران، والطاقة، والخدمات اللوجستية،
والصناعات المتقدمة. هذا التوجّه يعكس فهماً عملياً لسوق العمل، لا خطاباً مثالياً
عنه.
ويظلّ
العنصر الإنساني محورياً في هذا النظام. المعلّم لا يُعامَل بوصفه ناقلاً للمعلومة
فقط، بل كذلك بوصفه جزءاً من منظومة مهنية تخضع للتطوير المستمر. برامج التدريب،
وشروط الترخيص، ومسارات التطوّر الوظيفي، كلها عناصر تُعتمَد لتعزيز جودة التعليم،
ولا سيما في المدارس الحكومية. هذا الاستثمار في المعلم ليس سريع العائد، كما هي
الحال في أي بلد من بلدان العالم، لكنه ضروري لبناء نظام مستدام.
ويوضح
حجم المنظومة التعليمية تعقيد إدارتها. تشير بيانات المركز الاتحادي للتنافسية
والإحصاء إلى أن عدد طلبة التعليم العام في الدولة بلغ 1,624,057 طالباً في عام
2023. ويعكس هذا الرقم نظاماً تعليمياً واسعاً ومتنوّعاً، تشكّله تركيبة سكانية
متعددة الجنسيات ومسارات تعليمية مختلفة، ما يرفع أهمية دور الدولة كمنظّم للجودة
وتكافؤ الفرص.
في
السنوات الأخيرة، دخل التعليم مرحلة جديدة مع تسارع التحوّل الرقمي. لم تُنشِئ جائحة
كوفيد-19 هذا التحوّل، لكنها اختبرته على نطاق واسع. على غرار ما حصل في مختلف
أرجاء العالم، كشف الانتقال إلى التعليم عن بُعْد نقاط قوة وضعف في آن واحد، وأظهر
أن التعليم حين يُدار كنظام، لا كخدمة مجزّأة، يكون أقدر على امتصاص الصدمات. وأتاح
الانتقال دروساً عملية جرى البناء عليها لاحقاً.
في
هذا السياق، لا يُنظَر إلى المستقبل كامتداد خطي للماضي. بات التخطيط التعليمي
مرتبطاً بسيناريوهات الاقتصاد، والذكاء الاصطناعي، وتغيّر طبيعة الوظائف. لهذا بدأ
التركيز يتحوّل من سؤال "ماذا ندرّس؟" إلى "كيف نتعلّم؟". أصبحت
مهارات التعلّم المستمر، والمرونة، والقدرة على إعادة التأهيل المهني، أهدافاً بحدّ
ذاتها.
هذا
التحوّل لا يخلو من تحدّيات. ذلك أن الحفاظ على الجودة في سوق تعليمية مفتوحة،
وضمان مواءمة التعليم مع اقتصاد سريع التغيّر، ومعالجة الفجوات بين المسارات
الأكاديمية والمهنية، كلها مسائل معقّدة. لكن التعامل معها يجري من داخل النظام،
عبر المراجعة والتعديل، لا عبر حلول ظرفية أو شعارات عامة.
هكذا
يمكن قراءة تجربة التعليم في الإمارات بوصفها جزءاً لا يتجزأ من هندسة الدولة
الحديثة. لا يُستخدَم التعليم كواجهة، ولا كأداة علاقات عامة، بل كاستثمار بعيد
الأجل في الإنسان، وفي قدرة المجتمع على إدارة مستقبله. بهذا المعنى، لا يصبح
التعليم مجرّد مدخل للنموّ الاقتصادي، بل ضمانة للاستقرار، وأداة لبناء عقد
اجتماعي قادر على الصمود في عالم سريع التغيّر.



