عندما اندفعت السلحفاة الخضراء "فوكسي" نحو مياه الخليج مجدداً، لم يكن المشهد مجرد لحظة إطلاق لكائن بحري تعافى من إصابته، بل نهاية فصل طويل من المعاناة وبداية رحلة جديدة في موطنه الطبيعي. فقبل أكثر من عام، كانت "فوكسي" تصارع للبقاء بعدما فقدت إحدى زعانفها الأمامية إثر إصابة تعرضت لها قبالة سواحل رأس الخيمة، لتتحول لاحقاً إلى واحدة من أبرز قصص النجاح في مشروع دبي لإعادة تأهيل السلاحف البحرية.

السلحفاة فوكسي
عُثر على "فوكسي" في يناير 2025 وهي في حالة تستدعي تدخلاً عاجلاً. وبالنسبة إلى السلاحف البحرية، فإن فقدان إحدى الزعانف لا يعني مجرد إصابة عابرة، بل قد يحوّل رحلة البحث عن الغذاء أو التنقل في البحر إلى تحدٍ يومي يهدد الحياة نفسها. لذلك نُقلت إلى مركز التأهيل حيث بدأت رحلة علاج ورعاية استمرت أكثر من عام، خضعت خلالها لمتابعة بيطرية دقيقة وبرامج تأهيل هدفت إلى مساعدتها على استعادة قدرتها على التكيف مع البيئة البحرية.
ومع تحسن حالتها واستعادتها قدرتها على السباحة والاعتماد على نفسها، حان موعد العودة إلى البحر. لكن هذه العودة لم تكن عودة عادية، إذ زُوّدت "فوكسي" بجهاز تتبع عبر الأقمار الاصطناعية يسمح للباحثين بمتابعة تحركاتها ورصد مسارها بعد الإطلاق، لتتحول من سلحفاة نجت من إصابة خطيرة إلى مساهمة في رحلة علمية تساعد على فهم حياة السلاحف البحرية بشكل أفضل.
وجاء إطلاق "فوكسي" ضمن احتفال دولة الإمارات باليوم العالمي للسلاحف البحرية، حيث أُطلقت معها 22 سلحفاة أخرى أعيد تأهيلها ضمن مشروع دبي لإعادة تأهيل السلاحف البحرية التابع لمجموعة جميرا. غير أن قصة "فوكسي" بدت الأكثر قدرة على تجسيد الرسالة التي يسعى المشروع إلى إيصالها: أن إنقاذ كائن واحد يمكن أن يفتح نافذة واسعة على حماية نظام بيئي كامل.
ولا تقتصر أهمية أجهزة التتبع على معرفة مكان وجود السلاحف بعد إطلاقها، بل توفر للعلماء معلومات دقيقة حول مسارات الهجرة التي تسلكها، والمناطق التي تفضلها للتغذية أو التكاثر، والتحديات التي تواجهها خلال رحلاتها الطويلة. وقد زُوّد أكثر من مئة سلحفاة ضمن المشروع بأجهزة مماثلة خلال السنوات الماضية، ما أسهم في بناء قاعدة بيانات علمية مهمة حول السلاحف البحرية في الخليج العربي وخارجه.

سلحفاة مزودة بجهاز تتبع
وتُعد السلاحف البحرية من الكائنات التي تؤدي دوراً أساسياً في التوازن البيئي البحري. فهي تسهم في المحافظة على صحة المروج البحرية والشعاب المرجانية، كما تشكل مؤشراً حيوياً على سلامة النظم البيئية البحرية. لذلك فإن تراجع أعدادها أو تعرضها للإصابات المتكررة قد يكون مؤشراً إلى وجود ضغوط بيئية أوسع، مثل التلوث أو فقدان الموائل الطبيعية أو مخاطر النفايات البلاستيكية.
ومن هنا تأتي أهمية المشاريع المتخصصة في الإنقاذ وإعادة التأهيل. فمشروع دبي لإعادة تأهيل السلاحف البحرية لم يعد مجرد مركز لعلاج السلاحف المصابة، بل تحول على مدى أكثر من عقدين إلى منصة تجمع بين البحث العلمي والتوعية المجتمعية والعمل البيئي. فمنذ انطلاقه عام 2004، نجح المشروع في إنقاذ وعلاج وإعادة أكثر من 2350 سلحفاة بحرية إلى موائلها الطبيعية، ليصبح أحد أبرز البرامج المتخصصة في المنطقة.
ويؤكد القائمون على المشروع أن الهدف لا يقتصر على إعادة السلاحف إلى البحر، بل يمتد إلى تعزيز الوعي بأهمية حماية البيئة البحرية ككل. فكل عملية إنقاذ تحمل في طياتها رسالة أوسع حول مسؤولية الإنسان تجاه الكائنات التي تشاركه هذا الكوكب، وحول أثر الممارسات اليومية في صحة البحار والمحيطات.
وفي موازاة جهود إنقاذ السلاحف، تواصل الإمارات تنفيذ مبادرات بيئية أخرى تستهدف تعزيز التنوع البيولوجي البحري، من بينها مشاريع استعادة الشعاب المرجانية التي أسفرت عن استزراع أكثر من تسعة آلاف قطعة مرجانية. وتندرج هذه المبادرات ضمن رؤية أشمل تقوم على حماية النظم البيئية الطبيعية وضمان استدامتها للأجيال المقبلة.

فوكسي منحت فرصة جديدة للعودة الى البحر
أما "فوكسي"، فقد بدأت الآن مرحلة جديدة من رحلتها. وبينما تبتعد تدريجياً عن الشاطئ الذي شهد إطلاقها، يواصل جهاز التتبع المثبت على ظهرها إرسال إشارات تكشف تفاصيل رحلتها المقبلة. وربما لن يعرف أحد على وجه اليقين إلى أي مدى ستصل أو أي مسارات ستسلك، لكن المؤكد أن قصتها باتت شاهداً على ما يمكن أن تحققه جهود الإنقاذ والعلم والالتزام البيئي عندما تجتمع في هدف واحد: منح الحياة فرصة أخرى للعودة إلى البحر.



