قبل سنوات، كانت النخلة جزءاً ثابتاً من مشهد البيت الإماراتي. تقف في الفناء أو الحديقة، تمنح الظل والثمر، وتجمع أفراد الأسرة حولها في مواسم الجنى والعناية. لم تكن مجرد شجرة مثمرة، بل رفيقة يومية ارتبطت بتفاصيل الحياة، من الغذاء إلى المجالس وحتى الحكايات التي كان الأجداد يروونها للأبناء والأحفاد.

النخلة تمنح الظل والثمر
ومع تغير أنماط الحياة وتوسع المدن، تراجع حضور النخيل في كثير من المنازل، وانتقلت علاقته بالناس من الحياة اليومية إلى المزارع والمهرجانات المتخصصة. لكن هذه العلاقة القديمة تستعد اليوم لاستعادة جزء من حضورها من خلال مبادرة جديدة أطلقها مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث ضمن النسخة الثالثة من "دبي للرطب 2026"، تحت اسم "شوط تمرة البيت".
الشوط الجديد لا يبحث عن أكبر مزرعة أو أكثرها إنتاجاً، بل يتوجه إلى النخلة المزروعة داخل المنزل. فالفكرة تقوم على منح الأسر والأفراد فرصة استعراض جهودهم في رعاية النخيل والعناية به، وتحويل هذه الشجرة من عنصر زراعي إلى محور اجتماعي يجمع أفراد الأسرة حول قيمة تراثية متجذرة في الثقافة الإماراتية.
وتقام النسخة الثالثة من "دبي للرطب" خلال الفترة من 18 إلى 26 تموز/ يوليو المقبل في قلعة الرمال على طريق دبي – العين، وسط توقعات بمشاركة واسعة بعد النجاحات التي حققتها الدورتان السابقتان. وخلال السنوات الماضية، نجح الحدث في استحداث مسابقات جديدة للمرة الأولى على مستوى الدولة، مثل "شوط نخلة البيت" و"شوط الجهات الحكومية" و"كأس الندّر"، وهي مبادرات ساهمت في توسيع قاعدة المشاركين وربط التراث الزراعي بمختلف شرائح المجتمع.

تقام النسخة الثالثة من "دبي للرطب" في قلعة الرمال على طريق دبي – العين،
ويأتي "شوط تمرة البيت" استكمالاً لهذا النهج، لكنه يحمل بعداً مختلفاً. فالمنافسة هنا تبدأ من داخل المنزل، حيث تتحول النخلة إلى مشروع عائلي صغير يشارك فيه الأبناء والآباء والأجداد، ويتعلم من خلاله الجيل الجديد أساسيات الزراعة والعناية بالأشجار وقيمة الصبر المرتبطة بمواسم النمو والإثمار.
وتحتل النخلة مكانة استثنائية في تاريخ الإمارات. فقبل اكتشاف النفط، شكلت التمور مصدراً أساسياً للغذاء والتجارة، فيما استخدمت أجزاء النخلة المختلفة في بناء البيوت وصناعة الأدوات والحبال والأثاث. وتشير التقديرات إلى أن دولة الإمارات تضم اليوم أكثر من 40 مليون نخلة، ما يجعلها من بين أكبر الدول المنتجة للتمور في العالم، فيما تنتج مئات الآلاف من الأطنان سنوياً من مختلف الأصناف.
ولم تعد أهمية النخلة تقتصر على الجانب الزراعي أو الاقتصادي، بل أصبحت رمزاً وطنياً وثقافياً يعكس علاقة الإنسان الإماراتي بأرضه. ولهذا السبب أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) المعارف والمهارات والتقاليد المرتبطة بالنخيل ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بمشاركة دولة الإمارات وعدد من الدول العربية.
وفي هذا السياق، يرى القائمون على "دبي للرطب" أن الحفاظ على النخلة يبدأ من إعادة حضورها في الحياة اليومية. فعندما يعتني طفل بنخلة مزروعة في منزله، فإنه لا يتعلم الزراعة فقط، بل يتعرف أيضاً إلى جزء من تاريخ بلاده وقيم المجتمع التي قامت على العطاء والاستدامة والارتباط بالأرض.

"دبي للرطب" مساحة اجتماعية وثقافية تجمع الأسر الإماراتية
وتواصل فرق العمل في مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث استعداداتها للدورة الثالثة من الحدث التي تسعى إلى تقديم تجربة تتجاوز إطار المسابقات التقليدية. فالهدف لا يقتصر على تكريم أصحاب أفضل الإنتاج أو أجود الثمار، بل تحويل "دبي للرطب" إلى مساحة اجتماعية وثقافية تجمع الأسر الإماراتية حول أحد أهم رموز الهوية الوطنية.
وربما تكمن أهمية "شوط تمرة البيت" في الرسالة التي يحملها أكثر من الجائزة نفسها. فبين نخلة مزروعة في حديقة منزل، وأخرى في مزرعة كبيرة، تبقى القيمة الحقيقية في استمرار العلاقة بين الإنسان والنخلة. علاقة بدأت منذ مئات السنين وما زالت حاضرة حتى اليوم، لتؤكد أن بعض الرموز لا تفقد مكانتها مهما تغيرت الأزمنة، بل تجد دائماً طرقاً جديدة للعودة إلى الحياة.



