
من مبادرات التدوير في الإمارات.

جمع البلاستيك. (تعبيرية)
هذه الأرقام تعني عملياً أن ملايين الأطنان من المواد التي كانت ستُدفَن في السابق أصبحت تدخل، بدرجات متفاوتة، في عمليات استرداد أو إعادة تدوير أو معالجة تسمح بالاستفادة منها مجدداً.
وفي دبي، يظهر هذا التحوّل في صورة مختلفة. استثمرت الإمارة التي تنتج كميات ضخمة من النفايات في واحدة من أكبر منشآت تحويل النفايات إلى طاقة في المنطقة. لقد صُمِّم مركز ورسان لتحويل النفايات إلى طاقة لمعالجة نحو 1.9 مليون طن من النفايات البلدية سنوياً، مع قدرة إنتاج كهربائي تصل إلى 200 ميغاواط.
لكن المشروع لا يقوم على إحلال الحرق محل إعادة التدوير، بل يندرج من ضمن فكرة "استرداد الطاقة" من النفايات المتبقية التي تتعذر إعادة تدويرها أو حين لا تجدي العملية اقتصادياً. وبذلك تسعى دبي إلى تقليص الكميات المرسلة إلى المطامر واستخراج قيمة إضافية من النفايات في صورة كهرباء ومواد قابلة للاسترداد، بدلاً من الاكتفاء بالتخلص منها نهائياً.
أما الشارقة، فقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة نموذجاً لافتاً في هذا المجال. تفيد شركة "بيئة" بأن منظومتها ساهمت في رفع معدل تحويل النفايات بعيداً عن المطامر إلى نحو 93 في المئة، وهو رقم يعكس مدى التحوّل الذي شهدته الإمارة في إدارة النفايات واسترداد الموارد.
قطعة الورق النظيفة أكثر قيمة من قطعة الورق الملوثة ببقايا الطعام. وعبوة البلاستيك المفروزة أسهل وأقل تكلفة في المعالجة من عبوة اختلطت بمخلفات أخرى. لذلك أصبح الفرز من المصدر أحد أهم عناصر نجاح اقتصاد التدوير.
ولهذا السبب تنتشر في الإمارات مبادرات متعددة لتشجيع الأفراد على المشاركة في العملية. باتت الحاويات المخصصة لأنواع مختلفة من النفايات أكثر شيوعاً، فيما ظهرت برامج تعتمد على الحوافز والمكافآت لتشجيع إعادة العبوات والمواد القابلة لإعادة التدوير.
وفي الوقت نفسه، لا يقتصر التفكير على كيفية إعادة تدوير النفايات، بل يمتد إلى كيفية تقليل إنتاجها من الأصل. هنا تبرز مبادرة "دبي كان"، التي ساهمت خلال ثلاث سنوات في خفض استهلاك أكثر من 30 مليون عبوة مياه بلاستيكية أحادية الاستخدام، في حين وفرت أكثر من 15 مليون لتر من مياه الشرب عبر عشرات محطات التعبئة العامة المنتشرة في أنحاء الإمارة.
هذه الأرقام قد تبدو مجرد إحصاءات للوهلة الأولى، لكنها تعني عملياً ملايين العبوات التي لم تُنتَج ولم تُستهلَك ولم تتحوّل لاحقاً إلى نفايات تحتاج إلى جمع أو فرز أو معالجة.
وإذا كان البلاستيك يحتل مساحة كبيرة من النقاش العام، ترتبط إحدى أكثر قصص إعادة التدوير إثارة للاهتمام بالأجهزة الإلكترونية التي ترافقنا يومياً. تحتوي الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة المنزلية القديمة على معادن ومواد مرتفعة القيمة يمكن استردادها وإعادة استخدامها.
تُظهِر بيانات أممية سابقة أن حجم النفايات الإلكترونية في الإمارات بلغ نحو 134 ألف طن سنوياً، بمعدل يقارب 17.2 كيلوغراماً للفرد. وعلى الرغم من أن هذه البيانات تعود إلى سنوات مضت، فإنها تعطي فكرة واضحة عن حجم الموارد الكامنة داخل الأجهزة التي نتخلص منها كل عام.
داخل جهاز حاسوب قديم أو هاتف لم يعد يعمل ثمة معادن ومواد يمكن أن تعود إلى دورة الإنتاج بدلاً من أن تُفقَد نهائياً. ولهذا أصبحت النفايات الإلكترونية واحدة من أسرع مجالات إعادة التدوير نمواً في العالم، والإمارات ليست استثناءً من هذا الاتجاه.
ولا تتوقف القصة عند الورق والبلاستيك والمعادن والإلكترونيات. هناك أيضاً الزيوت المستعملة، والبطاريات، والنفايات الصناعية، وبعض النفايات العضوية، ومخلفات البناء والهدم، وكلها أصبحت جزءاً من منظومة متنامية تهدف إلى استخراج أكبر قيمة ممكنة من المواد قبل اعتبارها نفايات نهائية.
لهذا السبب لم يعد الحديث عن إعادة التدوير في الإمارات حديثاً بيئياً فحسب. إنه حديث عن قطاع اقتصادي كامل. خلف كل حاوية نفايات تعمل شركات نقل وجمع، ومنشآت فرز، ومصانع معالجة وإعادة تدوير، وتكنولوجيات رقمية، واستثمارات بملايين الدراهم، ووظائف جديدة تتطلب مهارات متخصصة.
قد يكون التغيير الأهم هو أن النظرة إلى النفايات نفسها بدأت تتبدل. بدلاً من اعتبارها نهاية دورة الاستهلاك، أصبحت تُعامَل باعتبارها بداية دورة جديدة. وبين النظرتين فرق كبير. ترى الأولى في النفايات مشكلة يجب التخلص منها، أما الثانية فترى فيها مورداً يمكن استثماره.
وفي عالم يزداد فيه الضغط على الموارد الطبيعية عاماً بعد عام، قد تكون القيمة الحقيقية لبعض الأشياء ليست في استخدامها الأول، بل في الفرصة الثانية التي يمكن منحها لها بعد أن نلقيها في الحاوية.



