لم يعد مفهوم الدوام الوظيفي في
الإمارات كما كان قبل عقد من الزمن. فمع تسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية،
بدأت الدولة بإعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها بيئات العمل، لتنتقل تدريجياً
من النماذج التقليدية القائمة على ساعات الحضور الطويلة إلى سياسات أكثر مرونة
تركز على النتائج وجودة الحياة ورفاه الموظفين.

دبي
هذا التحول لم يكن وليد لحظة واحدة،
بل جاء ضمن مسار متكامل من الإصلاحات والتحديثات التي جعلت الإمارات من الدول
الرائدة إقليمياً في تبني نماذج عمل حديثة تستجيب لاحتياجات الموظفين ومتطلبات
الاقتصاد في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق، بدأت الجهات الحكومية في دبي
تطبيق مبادرة «صيفنا مرن» لعام 2026، التي أطلقتها دائرة الموارد البشرية لحكومة
دبي بهدف تعزيز جودة الحياة للموظفين خلال أشهر الصيف، مع الحفاظ على كفاءة الأداء
واستمرارية الخدمات الحكومية.
رحلة بدأت
قبل سنوات
مع تزايد الاهتمام عالمياً بمفاهيم
التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، شرعت الإمارات خلال السنوات الماضية في
تطوير تشريعات وسياسات عمل أكثر مرونة.
وشهد عام 2022 واحدة من أبرز المحطات
في هذا المسار، مع تطبيق نظام أسبوع العمل الجديد في القطاع الحكومي الاتحادي،
الذي اعتمد أسبوع عمل يمتد من الاثنين إلى الجمعة مع عطلة نهاية أسبوع يومين ونصف
اليوم. وجاء القرار بهدف مواءمة بيئة الأعمال الإماراتية مع الأسواق العالمية
وتعزيز التوازن بين العمل والحياة.
وفي الفترة نفسها، توسع تطبيق أنظمة
العمل عن بُعد والدوام المرن التي أثبتت فعاليتها خلال جائحة «كوفيد-19»، لتتحول
من حلول استثنائية إلى أدوات عمل معتمدة في العديد من الجهات الحكومية والخاصة.
كما عزز المرسوم بقانون اتحادي رقم
33 لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل مفهوم أنماط العمل الجديدة، من خلال
إتاحة أشكال متنوعة للتوظيف تشمل العمل الجزئي والعمل الموقت والعمل المرن والعمل
عن بُعد، بما يمنح المؤسسات والموظفين خيارات أوسع تتناسب مع طبيعة الأعمال
الحديثة.
الصيف
كاختبار للمرونة
في ظل هذه التحولات، برزت الحاجة إلى
حلول أكثر تخصصاً تستجيب لمتطلبات فترات معينة من العام، وفي مقدمتها أشهر الصيف
التي تتزامن مع الإجازات المدرسية وزيادة المسؤوليات الأسرية.
ومن هنا جاءت مبادرة «صيفنا مرن»،
التي انطلقت كتجربة في صيف 2024، قبل أن يتم تعميمها على الجهات الحكومية في صيف
2025، وتواصل تطبيقها خلال صيف 2026.
وتُطبق المبادرة بين 29 حزيران/يونيو
و10 سبتمبر 2026 عبر نموذجين مرنين للدوام؛ الأول يعتمد سبع ساعات عمل يومياً من
الاثنين إلى الخميس وأربع ساعات ونصف يوم الجمعة، فيما يقوم النموذج الثاني على
ثماني ساعات يومياً من الاثنين إلى الخميس مقابل عطلة كاملة يوم الجمعة.
كما تسمح المبادرة للجهات الحكومية
بتطبيق أنظمة العمل المرن أو العمل عن بُعد المعتمدة لديها، وفقاً لطبيعة أعمالها
واحتياجاتها التشغيلية.
من الموظف
إلى الأسرة
ما يميز «صيفنا مرن» أنها لا تنظر إلى
الموظف باعتباره فرداً داخل مؤسسة فقط، بل باعتباره جزءاً من أسرة ومجتمع.
فخلال العطلات المدرسية، يواجه كثير
من الموظفين تحديات تتعلق برعاية الأبناء وتنظيم النشاطات العائلية، وهو ما دفع
دائرة الموارد البشرية لحكومة دبي إلى تطوير نموذج يأخذ هذه الاحتياجات في الاعتبار
من دون التأثير على استمرارية الخدمات الحكومية.

دبي
وبذلك تتحول سياسة العمل من أداة
تنظيم إداري إلى أداة اجتماعية تسهم في تعزيز التماسك الأسري وجودة الحياة.
رفاه الموظف
جزء من الإنتاجية
تستند السياسات الحديثة للعمل في
الإمارات إلى قناعة متزايدة بأن رفاه الموظف لا يتعارض مع الإنتاجية، بل يعززها.
وتشير العديد من الدراسات العالمية
إلى أن الموظفين الذين يتمتعون بمرونة أكبر في العمل وتوازن أفضل بين حياتهم
المهنية والشخصية يحققون مستويات أعلى من الرضا الوظيفي والإبداع والإنتاجية.
ولهذا يصف خبراء الموارد البشرية ما
تشهده الإمارات بأنه انتقال من ثقافة "إدارة الوقت" إلى ثقافة
"إدارة النتائج"، ليصبح الإنجاز هو المعيار الأساسي، وليس عدد الساعات
التي يقضيها الموظف خلف مكتبه.
نموذج
للمستقبل
تعكس مبادرة «صيفنا مرن» مرحلة جديدة
في تطور سياسات العمل الحكومية في الإمارات. فهي ليست مجرد تعديل موقت لساعات
الدوام خلال أشهر الصيف، بل جزء من رؤية أوسع تسعى إلى بناء بيئات عمل أكثر مرونة
واستدامة وجاذبية للكفاءات.
وبينما يزداد التنافس العالمي على
استقطاب المواهب، تبدو الإمارات ماضية في ترسيخ نموذج يوازن بين متطلبات الاقتصاد
الحديث واحتياجات الإنسان، انطلاقاً من قناعة بأن الاستثمار في الموظف وجودة حياته
هو استثمار مباشر في كفاءة المؤسسات وقدرتها على النجاح في المستقبل.



