ثمة شعراء يشبهون أوطانهم في الهدوء والعناد والبقاء. راشد الخضر واحد من هؤلاء
الذين خرجوا من الأزقة القديمة في عجمان، لكنهم بقوا فيها حتى بعد الرحيل. لذلك لا
يبدو تحويل منزله إلى متحف مجرد تكريم لشاعر، بل محاولة للاحتفاظ بروح كاملة شكّلت
جزءاً من الذاكرة الثقافية للإمارات.

بيت راشد الخضر
في بيت راشد الخضر، كل شيء يعيد الزائر إلى حياة شاعرٍ كان يرى العالم بعين
أكثر حساسية من الآخرين: سرير بسيط، أوراق مكتوبة بخط اليد، ومذياع صغير يشبه عزلة
الأمسيات القديمة. هنا، لا تُعرض سيرة شاعر فقط، بل تُعرض حياة كاملة عاشها رجلٌ جعل
من القصيدة وطناً حين ضاقت به الأمكنة.
يقع البيت في قلب عجمان القديمة، قريباً من الأزقة التي عرفها الشاعر صغيراً،
وكأن المكان بقي وفيّاً لبداياته الأولى. المنزل الذي عاش فيه راشد الخضر منذ أواخر
الستينيات حتى وفاته عام 1980، أُعيد ترميمه وتحويله إلى متحف يحتفظ بتفاصيل حياته
اليومية وإرثه الشعري، ليصبح اليوم واحداً من أبرز المحطات الثقافية والتراثية في الإمارة.
ولد راشد الخضر عام 1905 في فريج الميان بعجمان، وعاش طفولة قاسية مبكرة. فقد
والده ثم والدته وأخاه، فعرف اليتم في سن صغيرة، قبل أن تدفعه الحياة إلى السفر والعمل
والتنقل بين البحرين والكويت واليمن والدمام ودبي. لكنه، وسط كل تلك التحولات، بقي
متمسكاً بشيء واحد: الشعر.

صورة للشاعر الراحل على جدران منزله
كان يحمل الورق والقلم أينما ذهب، وكأن القصيدة تأتيه فجأة في منتصف الطريق
أو أثناء الجلوس في مجلس، فينعزل عن كل ما حوله وينغمس في الكتابة. لم يكن الشعر بالنسبة
إليه ترفاً أدبياً، بل طريقته الخاصة لفهم الحياة، ومواجهة الفقد، والاحتفاظ بما يتسرّب
من الأيام.
وحين يدخل الزائر إلى المتحف اليوم، يشعر أن الشاعر لم يغادر المكان تماماً.
"السحارة" المعدنية الصغيرة ما زالت تحتفظ ببعض أغراضه، وصديريه معلّق على
الجدار كما لو أنه سيعود لارتدائه بعد قليل، فيما تبدو الغرفة بكل بساطتها أقرب إلى
مرآة لشخصيته. رجل عاش متقشفاً في تفاصيله اليومية، لكنه كان غنياً باللغة والخيال.

يعرض المتحف سيرة الخضر بطريقة حديثة وتفاعلية، من خلال تسجيلات صوتية وصور
ومخطوطات أصلية بخط يده، إضافة إلى قصائده التي تنقّلت بين النبطي والفصيح. وقد عُرف
راشد الخضر بقدرته النادرة على الجمع بين الشكلين الشعريين، في زمنٍ كان هذا التوازن
استثنائياً، ما جعله واحداً من أبرز شعراء الإمارات والخليج في القرن العشرين.

الشاعر الراحل راشد الخضر
اشتهرت قصائده بالحكمة والخيال الواسع وعمق المعنى، حتى إن كثيراً من أبياته
تحوّل إلى أمثال شعبية متداولة بين الناس. وكان شعره يحتاج أحياناً إلى أكثر من قراءة،
بسبب ما يحمله من إشارات وألغاز لغوية ورمزية مرتبطة بالأرقام والحروف والنجوم، وهي
جوانب يسلّط المتحف الضوء عليها بوصفها جزءاً من عالمه الشعري الخاص.
لكن أكثر ما التصق بذاكرة الناس كان شعر الغزل. فقد عرف راشد الخضر كشاعر عاشق،
حملت قصائده عاطفة صادقة وصوراً حسية جعلتها قريبة من الناس رغم عمقها. ومن أشهر أبياته
المغناة:
"سفرجل خدك اللي كالسفرجل
سفر بدر وسفر شمس وسفرجل"
ويُروى أنه كتبها بعد أن لمح فتاة قادمة مع عائلتها من جزيرة "قيس"،
المعروفة اليوم بـ"كيش"، لتنطلق من تلك اللحظة واحدة من أشهر قصائده التي
غنّاها لاحقاً المطرب الكويتي عبدالمحسن المهنا.
ورغم المكانة الشعرية الكبيرة التي وصل إليها، ظل الخضر قريباً من الناس، حتى
إن كثيراً من أبياته دخلت الذاكرة الشعبية الإماراتية كأنها جزء من اللغة اليومية.
ومن أشهرها قوله: "من ضوي الاكرام ما حاتا العشى"، في تعبير بسيط وعميق عن
الكرم والطمأنينة.

متحف بيت راشد الخضر
ولأن عجمان أرادت أن يبقى أثر شاعرها حاضراً، لم تكتفِ بتحويل بيته إلى متحف،
بل أطلقت اسمه على أحد الشوارع التراثية القريبة من المنطقة التي عاش فيها، ضمن مشروع
"إرث عجمان" الذي يهدف إلى الحفاظ على الهوية الثقافية للإمارة وربط الأجيال
الجديدة بتاريخها الإنساني والأدبي.

رسومات على الجدران
ومع نهاية الزيارة، يبقى الشعور الأوضح أن هذا البيت لا يحفظ مقتنيات شاعر فقط،
بل يحفظ هشاشته الإنسانية أيضاً. وحدته، حساسيته، وصوته الذي ظل قادراً على عبور الزمن.
ففي بيت راشد الخضر، لا يبدو الشعر شيئاً يُقرأ فقط، بل شيئاً يمكن أن يُرى ويُلمس
ويُعاش... كأن القصيدة ما زالت تسكن المكان حتى اليوم.



