يمثل كتاب "ضوء ثقافة... صوت معرفة" قراءة لمسار ثقافي امتد قرابة عقدين، شهدت خلالهما الفجيرة تحولاً هادئاً ومتدرجاً في بنيتها الثقافية. فمن خلال تراكم المؤسسات والمبادرات، تبلور مشروع لم يكتف بتنظيم الفعاليات، بل سعى إلى ترسيخ الثقافة بوصفها أحد مكونات التنمية وبناء الإنسان.

محمد بن حمد الشرقي خلال إحدى الفعاليات الثقافية
يقع الكتاب في 160 صفحة، وصدر باللغتين العربية والإنكليزية، مستعرضاً مرحلة بدأت عام 2007، بالتزامن مع تولي الشيخ محمد بن حمد الشرقي ولاية العهد، وهي الفترة التي شهدت انطلاق رؤية وضعت الثقافة في قلب مشروع بناء الإنسان، وربطت بين الاستثمار في المعرفة والتنمية المستدامة.
أكثر من توثيق
لا يتعامل الكتاب مع الثقافة بوصفها سلسلة من الأحداث التي انتهى زمنها، بل يعيد تنظيمها ضمن سردية واحدة تكشف كيف تشكل المشروع الثقافي عبر السنوات. فالوثائق والصور والنصوص التي يضمها لا تؤدي وظيفة الأرشفة فقط، وإنما تساعد القارئ على تتبع مسار التجربة، وفهم العلاقات التي ربطت بين المبادرات المختلفة حتى أصبحت منظومة متكاملة.
ومن هذه الزاوية، يتحول الإصدار إلى مرجع يقرأ التجربة بقدر ما يوثقها، ويمنحها سياقاً يتجاوز الاحتفاء بالمنجزات إلى تفسير الكيفية التي تشكلت بها.
كيف تُبنى مدينة ثقافياً؟
تكشف صفحات الكتاب أن التحول الثقافي في الفجيرة لم يبدأ بمهرجان كبير أو فعالية عابرة، بل ببناء مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة بصورة مستمرة. فكل مشروع جديد جاء امتداداً لما سبقه، ضمن رؤية تقوم على التراكم، بحيث تتحول المبادرات المتفرقة إلى شبكة مترابطة من المؤسسات والبرامج، تؤسس لحضور ثقافي طويل الأمد.

استثمار في البنية الثقافية
وتبرز هذه الفلسفة في اعتماد الاستثمار على البنية الثقافية نفسها، من خلال إنشاء فضاءات للتعليم والتدريب والإنتاج الفكري، بما يمنح المشروع استمرارية تتجاوز إيقاع المناسبات الموسمية.
مشهد متعدد الروافد
ويبرز الكتاب اتساع المشهد الثقافي الذي تشكل في الفجيرة، إذ لم يقتصر على الأدب أو الفنون التشكيلية، بل امتد إلى الموسيقى، والفلسفة، والخط العربي، والشعر، وأدب الطفل. ومن خلال مؤسسات مثل أكاديمية الفجيرة للفنون الجميلة، وبيت الفلسفة، ومدرسة الفجيرة لفن الخط والزخرفة، ودارة الشعر العربي، ومجلس محمد بن حمد الشرقي، ومعرض الفجيرة الدولي لكتاب الطفل، إلى جانب أوركسترا الفجيرة الفيلهارمونية ومهرجان البدر، تبدو التجربة قائمة على تنوع الروافد الثقافية، لا على التركيز في مجال واحد.

جانب من نشاطات الفجيرة الثقافية
ويعكس هذا التنوع إدراكاً بأن بناء المشهد الثقافي لا يتحقق عبر مؤسسة واحدة مهما بلغت أهميتها، وإنما من خلال تكامل مجالات المعرفة والفنون، بما يتيح لكل فئة عمرية ولكل موهبة أن تجد مساحتها الخاصة.
الاستثمار في الإنسان
ولا يقيس الكتاب نجاح التجربة بعدد المؤسسات أو الفعاليات التي شهدتها الإمارة، بل بالأثر الذي تركته في المجتمع. فالثقافة، كما يقدمها، ليست قطاعاً منفصلاً عن التنمية، وإنما وسيلة لتوسيع فرص التعلم، ورعاية المواهب، وتعزيز الهوية الوطنية، والانفتاح على الثقافات الإنسانية، بما يجعل الإبداع ممارسة مستمرة لا نشاطاً موسمياً.

محمد بن حمد الشرقي خلال إحدى الفعاليات الثقافية
ومن هذا المنظور، تبدو المؤسسات الثقافية أدوات لبناء الإنسان قبل أن تكون مقار للنشاطات، وهو ما يفسر تركيز المشروع على التعليم والتدريب وإتاحة الفرص أمام الأجيال الجديدة.
حضور يتجاوز الحدود
ولا تكتفي صفحات الكتاب برصد أثر المشروع داخل الإمارة، بل تكشف كيف أسهمت المبادرات الثقافية في تعزيز حضور الفجيرة على المستويين الإماراتي والعربي، عبر استضافة المفكرين والفنانين، وإطلاق الفعاليات المتخصصة، وبناء شراكات ثقافية جعلت اسم الإمارة حاضراً في مشهد يتجاوز حدودها الجغرافية.
وبذلك، تظهر الثقافة بوصفها إحدى أدوات القوة الناعمة، التي تسهم في بناء صورة الإمارة، تماماً كما تسهم في بناء مجتمعها.
حين تبدأ الحكاية بالرؤية
يفتتح الكتاب صفحاته بالحوار الذي أجراه الشيخ محمد بن حمد الشرقي خلال الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات، وهو اختيار يحمل دلالة تتجاوز الترتيب الزمني. فالإصدار يبدأ بالفكرة التي سبقت المؤسسات، وبالرؤية التي رسمت ملامح المشروع قبل أن تتحول إلى مبادرات وبرامج.

رعاية المواهب أولوية
وفي هذا السياق، يصف مدير الديوان الأميري في الفجيرة محمد سعيد الضنحاني المشروع الثقافي بأنه ثمرة وعي قيادي آمن بأن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في المستقبل، وبأن تأسيس المؤسسات ورعاية المواهب وبناء البرامج المعرفية تمثل الأساس لأي نهضة مستدامة.
وفي المحصلة، لا يقدم "ضوء ثقافة... صوت معرفة" أرشيفاً لما شهدته الفجيرة خلال السنوات الماضية فحسب، بل يطرح قراءة في تجربة اختارت أن تجعل الثقافة جزءاً من السياسات العامة، وأن تبني حضورها عبر المؤسسات والمعرفة والاستثمار في الإنسان. ومن هنا، تبدو قيمة الكتاب في أنه لا يحفظ ذاكرة مرحلة مضت فقط، بل يفتح نافذة لفهم الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الثقافة إلى مشروع مستدام يصنع المستقبل.



