
غلاف الكتب.
لا يبدو الكتاب، بهذا
المعنى، مجرد شهادة على أحداث عام 2026، بل محاولة للإجابة عن سؤال ظل يرافق المؤلف
منذ وصوله إلى دبي قادماً من كييف: ما الذي جعل استجابة الإمارات مختلفة؟ ولماذا بدت
الدولة قادرة على الحفاظ على انتظام الحياة، بينما كانت المنطقة تعيش واحدة من أكثر
مراحلها توتراً؟ ومن هنا، لا ينشغل فابيلا بتوثيق الحدث بقدر ما يسعى إلى تفكيك الآليات
التي جعلت الإمارات، في نظره، نموذجاً في القيادة، وسرعة القرار، وكفاءة المؤسسات.
ولا تأتي هذه القراءة
من مراقب عابر. فأوجي كيه فابيلا الثاني هو مؤسِّس ورئيس مجلس إدارة مجموعة "VEON"، إحدى أكبر شركات الاتصالات
الرقمية العاملة في الأسواق الناشئة، وأحد أبرز رجال الأعمال الذين راكموا خبرتهم في
البيئات العالية المخاطر. فقد عمل في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وعاش الحرب
في أوكرانيا، وتنقل بين أسواق شهدت اضطرابات سياسية واقتصادية وأمنية، وهي تجارب جعلته
ينظر إلى الأزمات بوصفها الامتحان الحقيقي لقدرة الدول على الاستمرار، لا مجرد لحظات
استثنائية في تاريخها.
لهذا يحرص منذ الصفحات
الأولى على تأكيد أن كتابه ليس عن الحرب، بل عن القيادة. فما استوقفه لم يكن سقوط الصواريخ،
بل استمرار الحياة. ففي الوقت الذي كان فيه العالم يراقب التطورات، كانت المطارات تواصل
عملها، والفنادق تستقبل زوّارها، وشركات الطيران تحافظ على رحلاتها، فيما بدت المؤسسات
وكأنها تنفذ خطة أُعدّت بهدوء قبل سنوات، لا استجابة مرتجلة لأزمة طارئة. بالنسبة إليه،
لم يكن المشهد استعراضاً لقدرة الدولة على إدارة حدث أمني، بل كان دليلاً على وجود
منظومة مؤسسية تعمل وفق رؤية واضحة حتى تحت الضغط.
وسرعان ما تتحوّل هذه
الملاحظة إلى الفكرة المركزية التي يقوم عليها الكتاب. لذلك يختار عنواناً فرعياً يقول
فيه: "في لحظات عدم اليقين الكبرى، تنكشف القيادة"، في إشارة إلى أن الأزمات
لا تصنع القادة، بل تكشف جودة الأنظمة التي بنوها، وقدرتها على العمل حين تتعرض للاختبار.
ومن هنا، لا تصبح الأزمة موضوع الكتاب، بل الوسيلة التي يختبر بها المؤلف كفاءة نموذج
الدولة نفسه.

الكاتب فابيلا.
أوجي كيه فابيلا
ومن أكثر فصول الكتاب
تأثيراً فصل "رسالة إلى دبي"، حيث يغادر فابيلا لغة التحليل إلى لغة الاعتراف
الشخصي. يستعيد المدن التي عاش فيها، من مكسيكو سيتي وطوكيو وموسكو وشيكاغو إلى نابولي،
قبل أن يكتب عبارته التي تختصر نظرته إلى الإمارات: "لقد رأيتُ أفضل ما يمكن أن
يقدّمه العالم وأسوأه... وخلال كل ذلك تعلّمت أن أميّز العظمة حين أراها. وأنا أراها
فيكِ". ثم يصف ما شاهده بأنه "صمود ممزوج بالوقار، وإصرار مشبع بالأناقة"،
مؤكداً أن القوة الحقيقية تتجلى في "المحافظة الهادئة والمستمرة على التميّز في
كل ما تفعلونه".
ويمنح الكتاب مساحة
واسعة للمشاهد التي يراها كاشفة عن فلسفة إدارة الأزمة. ومن بينها حضور نائب رئيس الإمارات
رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم سباقات الخيل في اليوم الأول للهجمات،
بينما كانت الصواريخ الاعتراضية تشق السماء. لا يتعامل المؤلف مع هذا المشهد بوصفه
لقطة إعلامية، بل يقرأه باعتباره رسالة مفادها أن الحفاظ على الحياة الطبيعية جزء من
إدارة الأزمة نفسها، وأن الثقة تنتقل إلى المجتمع عبر السلوك والممارسة قبل أن تنتقل
عبر الخطاب.
ولا يكتفي فابيلا بالشهادة،
بل يحاول تحويلها إلى إطار نظري. فيطرح نموذج D.E.C.I.D.E، الذي يختزل فلسفته في إدارة
الأزمات عبر ست مراحل تبدأ بتحديد الهدف، ثم تقييم الوقائع، فالتواصل، وتعزيز الثقة،
وصولاً إلى التنفيذ الحاسم. ويرى أن هذا النموذج لم يتشكل خلال الأزمة الإماراتية،
بل عبر سنوات طويلة من العمل في بيئات النزاع، غير أنه وجد في التجربة الإماراتية التطبيق
الأكثر اكتمالاً له.
وتعزز هذه القراءة
مقدمة وزير التسامح والتعايش نهيان بن مبارك آل نهيان، التي ترى أن الإصرار ليس مجرد
احتمال للمشقة، بل "رفض السماح للخوف بأن يحدد المستقبل"، إلى جانب شهادات
شخصيات دولية، بينها وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو، وعميد كلية لندن للأعمال
سيرغي غورييف، اللذان ينظران إلى الكتاب بوصفه قراءة في القيادة والثبات أكثر منه توثيقاً
لأحداث سياسية.
في كتابه
"الإصرار"، لا يحاول فابيلا أن يكتب تاريخ الإمارات، ولا أن يؤرّخ لأزمة
بعينها. ما يقدمه هو قراءة في الكيفية التي تتحول بها الدولة، في لحظات الاختبار الكبرى،
إلى نموذج يُحتذى في القيادة وكفاءة المؤسسات. ولهذا يبدو "الإصرار" أقرب
إلى كتاب في فلسفة الدولة وإدارة الأزمات منه إلى سجل للأحداث، وأقرب إلى دراسة في
قوة المؤسسات والثقة المجتمعية منه إلى رواية عن الحرب نفسها. إنها قراءة تحاول أن
تفسّر لماذا خرج المؤلف من التجربة بقناعة أن ما عاشه في الإمارات لا يستحق التوثيق
فحسب، بل يستحق أن يُقدم للعالم بوصفه نموذجاً قابلاً للدراسة.


