على بعد نحو ساعتين من دبي، وبين جبال الساحل الشرقي لإمارة الشارقة، تقود الطرق المتعرجة إلى خورفكان، المدينة التي يلتقي فيها البحر بالجبال في واحد من أكثر المشاهد الطبيعية تميزاً في الإمارات. لكن خورفكان ليست سوى بداية الطريق. فمع الصعود إلى أعالي وادي شي، تنكشف قرية نجد المقصار، المتربعة بين الصخور، حيث تختزن البيوت الحجرية وحصنها القديم أكثر من ثلاثة قرون من الحكايات.

قرية نجد المقصار
يحمل إسم القرية دلالته على موقعها. فـ"النجد" في اللغة هو المكان المرتفع، وهو وصف ينسجم تماماً مع طبيعتها، إذ تقوم القرية على ارتفاع يقارب 220 متراً فوق الوادي، في موقع اختاره سكانه قديماً ليجمع بين الحماية والإشراف على الأراضي الزراعية ومصادر المياه التي شكلت أساس الحياة في المنطقة. وتضم القرية ثلاثة عشر منزلاً شُيدت قبل أكثر من مئة عام، إلى جانب حصن يعود تاريخه إلى نحو ثلاثمئة عام، ظل لسنوات طويلة يراقب الوادي والطرق المؤدية إليه.
لكن الوصول إلى نجد المقصار جزء من التجربة نفسها. فكلما ارتفع الطريق، بدأت المدينة تختفي تدريجياً خلف المنعطفات، وحلّت الصخور الداكنة محل المباني، قبل أن ينفتح المشهد على الوادي الممتد أسفل الجبل، حيث تتلألأ مياه سد الرفيصة بين المساحات الخضراء. عندها يدرك الزائر أن اختيار هذا الموقع لم يكن مصادفة، بل نتيجة معرفة متراكمة بطبيعة المكان، وكيفية الاستفادة من تضاريسه ومصادر مياهه.
وما إن يدخل الزائر ممرات القرية حتى تتغير وتيرة الزمن. الأزقة الحجرية الضيقة، والجدران المبنية من الحجر المحلي والطين، والأبواب الخشبية، وسعف النخيل التي استخدمت في البناء، كلها ترسم صورة للحياة كما كانت قبل عقود، حينما كان الإنسان يبني من البيئة المحيطة به، ويجعل الجبل شريكاً في العمران لا عائقاً أمامه.

جدران مبنية من الحجر المحلي والطين
ومن أعلى الحصن، تبدو خورفكان والبحر والجبال في مشهد واحد، بينما تمتد أسفل القرية الأراضي الزراعية التي ازدهرت بفضل المياه العذبة المتجمعة في وادي شي. ولهذا ارتبطت نجد المقصار، منذ نشأتها، بالزراعة التي ازدهرت في الوادي، فيما وفرت المرتفعات مكاناً آمناً للسكن والإشراف على المنطقة، في علاقة متكاملة بين الجبل والوادي استمرت جيلاً بعد جيل.
ولم تتوقف حكاية المكان عند تاريخه القديم. ففي عام 2020، وبتوجيهات عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، بدأت أعمال ترميم القرية وإحيائها، مع الحفاظ على هويتها العمرانية والبيئية، لتتحول إلى مشروع يجمع بين حماية التراث وتقديم تجربة سياحية معاصرة، من دون أن يفقد المكان روحه الأصلية.

وحدات ضيافة تراثية
واليوم، أصبحت نجد المقصار أكثر من موقع أثري، إذ يقصدها محبو المشي الجبلي، وعشاق التصوير، والباحثون عن الإقامة وسط الطبيعة، بعدما أضيفت إليها وحدات ضيافة تراثية ومطاعم ومسارات تصل إلى الحصن وسد الرفيصة، في تجربة تجعل الزائر يعيش المكان، لا يكتفي بمشاهدته.
ويكتمل اكتشاف المكان عندما يدرك الزائر أن تاريخ المنطقة أقدم بكثير من عمر القرية نفسها. فصخور وادي شي تحتفظ بنقوش يعود بعضها إلى نحو ألفي عام قبل الميلاد، لتؤكد أن هذا الجبل لم يكن مجرد محطة عابرة، بل موطناً تعاقبت عليه الحضارات، وتركت آثارها قبل أن تتحول نجد المقصار إلى واحدة من أبرز الوجهات التراثية في الإمارات.



