الصحراء في الإمارات لا تعرف الجمود. تتبدّل ألوانها مع الضوء، وتفيض بالحياة كلما لامستها نسائم البحر. في مواسم الشتاء، تعود الطيور المهاجرة من أقاصي الأرض إلى مستنقعاتها القديمة، كأنها تجد في هذه البلاد بيتاً من دفء وطمأنينة. وبين ظلال النخيل ورائحة البحر، تنبض الحكاية التي أعادت رسم العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
من هذا التوازن تولدت فكرة السياحة الخضراء، رؤيةٌ جعلت التنمية صديقةً للبيئة، والجمال متصالحاً مع الاستدامة. فالإمارات لم تتعامل مع الطبيعة كخلفية جامدة للمشهد، بل كقلبٍ نابض للهوية، وكمسؤولية أخلاقية تجاه الأجيال المقبلة. وهكذا أصبحت المحميات، والمشاريع البيئية، والواحات الممتدة، محطات تروي قصة وطن يزرع المستقبل بوعي وبلون من الضوء الأخضر.

منذ سنوات، أخذت الإمارات على عاتقها أن تكون وجهةً لا يلتقي فيها الزائر فقط بالحداثة، بل أيضاً بالسكينة البيئية. فبين ناطحات السحاب في دبي، وامتداد البحر في أبو ظبي، وواحات الشارقة والفجيرة، نسجت الدولة خيوط مشروعها الأخضر بهدوءٍ وإصرار: حماية للمحميات، واستعادة للمناطق الرطبة، وتوسيع لغابات القرم التي تصافح البحر بالظلّ.

تحتضن الإمارات اليوم 49 محمية طبيعية، تمثّل نحو 15.5% من إجمالي مساحة الدولة، وتنقسم إلى 33 محمية برية و16 بحرية.
وفي إمارة دبي وحدها تمتد المحميات على مساحة 1,297 كيلومتراً مربعاً، أي نحو ثلث مساحتها، من بينها ثلاث مسجّلة في اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة ذات الأهمية العالمية: رأس الخور، جبل علي، وحتا الجبلية.

تزخر هذه المحميات بـ342 نوعاً من الطيور، و46 من الثدييات، و51 من الزواحف، و315 من النباتات، و188 من الأسماك، و582 نوعاً من اللافقاريات. تنوّع مذهل في بيئةٍ عرفت كيف تحتضن الحياة رغم قسوة المناخ.
وفي قلب دبي، تختبئ محمية رأس الخور للحياة البرية كواحةٍ من طينٍ وماء، تعجّ بأجنحة الفلامينغو الوردية. تمتد المحمية على أكثر من ستة كيلومترات مربعة، وتُعدّ محطة رئيسية للطيور المهاجرة في الخليج. وعلى مقربةٍ منها، تمتد محمية جبل علي للأراضي الرطبة التي تحتضن تنوعاً من الطيور والحياة البحرية، بينما تنبسط محمية المرموم الصحراوية كأكبر محمية في دبي تضم ظباء الرمال والمها العربي والطيور الجارحة.
وفي الشارقة، يلتقي الزائر باللون الأخضر في محمية القرم والحفية في خور كلباء، حيث غابات القرم الكثيفة وطيور البلشون والنورس المهاجرة، أو في وادي الحلو الذي يشتهر بجماله الطبيعي وتنوع تضاريسه الصخرية.
وفي الفجيرة، تتجلّى روعة الماء في وادي الوريعة الوطنية، أول محمية جبلية في الدولة، بشلال دائم ونظام مياه عذبة نادر في المنطقة.
أما في أم القيوين، فتبدو جزيرة السينية كلوحة من سكون القرم وثراء التنوع الحيوي، فيما تحتضن محمية النسيم البرية في عجمان أنواعاً من النباتات والطيور البرية.
ولا يمكن الحديث عن الإمارات الخضراء من دون المرور بمدنها وحدائقها الغناء، التي أصبحت متنفساً للسكّان والزوار على حدّ سواء.

في دبي، تتألّق حديقة دبي المعجزة بزهورها النادرة ومنحوتاتها المتغيرة، وتجاورها حديقة خليج دبي التي تجمع بين الفنّ النباتي والبستنة الاستوائية.
وفي العاصمة أبو ظبي، تحتضن محمية قرم الجبيل حياةً بريةً متكاملة للسلاحف والغزلان، إلى جانب حديقة المشرف المركزية وحديقة خليج أبو ظبي، فيما يشكّل متنزه جبل حفيت في العين لوحةً جبليةً ساحرة تطل على واحات خضراء تمتدّ حتى الأفق.
وتتوزّع في الإمارات حدائق مائية وترفيهية كـأكوافنتشر في دبي وأرض الأحلام في أم القيوين، جعلت من المتعة جزءاً من تجربة بيئية متوازنة تحترم الموارد والطبيعة.



