في بيتٍ تتراصّ فيه الكتب، وتعلّق اللوحات فيه ذاكرةً بصرية حيّة، فيما تنساب الموسيقى كجزءٍ من نَفَس المكان، ينفتح الحديث مع معالي زكي أنور نسيبة، المستشار الثقافي لرئيس الدولة والرئيس الأعلى لجامعة الإمارات العربية المتحدة، على سيرةٍ تتقاطع فيها الجغرافيا بالتاريخ؛ رحلة تمتدّ من القدس إلى أبوظبي، في صميم تجربةٍ سياسية وثقافية أسهمت في صياغة ملامح دولة الإمارات العربية المتحدة.
القدس، في ذاكرته، حالة إنسانية مركّبة، ونقطة التقاءٍ للأديان والثقافات والوجوه المختلفة. هناك، في الأزقة القديمة، وفي أصوات الأجراس والأذان، وفي مكتبات المدارس، تفتّح وعيه الأول. كانت الهويات تُعاش ببساطةٍ يومية؛ طفلٌ لا يعرف إن كان جاره في الصف مسيحياً أم مسلماً، لأنّ الانتماء الأعمق كان للإنسان نفسه. ومن هناك أيضاً بدأ شغفه بالفن والكتاب، من جورج زيدان إلى نجيب محفوظ، ومن رفوف مكتبة المدرسة إلى عروض شكسبير التي شكّلت لديه حسّاً مبكراً بالجمال.
لكن تلك المدينة، التي كانت تضجّ بالحياة، تركت فيه أيضاً شعوراً بالحزن، كأنّ براءتها الأولى قد انكسرت. يحملها معه أينما ذهب كمعيارٍ داخلي يقيس به العالم.
غير أنّ التحوّل الحقيقي في حياته لم يكن أكاديمياً فقط، بل كان وجودياً. بعد نكسة 1967، تغيّرت المسارات. لم تعد الديبلوماسية خياراً مباشراً، بل أصبحت البحث عن موقعٍ في عالمٍ يتغيّر بسرعة ضرورةً. جاءت أبوظبي في تلك اللحظة، مدينةً تكاد تكون في بداياتها، لكنها تحمل في داخلها وعداً غير مرئي. لم يكن فيها الكثير من العمران، لكن كان فيها شيءٌ آخر: الأفق.
هناك، وبمحض الصدفة التي تشبه القدر، دخل عالم الصحافة. من كتابة تقارير بسيطة إلى متابعة التحوّلات الاقتصادية والسياسية، بدأ يرى كيف تتكوّن الدول من التفاصيل. ثم جاء اللقاء الذي سيغيّر كلّ شيء: الشيخ زايد.
في حضرته، لا يتحدّث نسيبة عن قائدٍ سياسي فقط، بل عن تجربة إنسانية كاملة. ما يلفت فيه لم يكن الخطاب الاستراتيجي وحده، وإنّما تلك القدرة الفطرية على إعادة توجيه كلّ شيء نحو الإنسان. السياسة، الاقتصاد، الطموح، وحتى الأمن، كانت جميعها وسائل، لا غايات. الإنسان كان دائماً في المركز.
بدا واضحاً له أنّ الرجل يحمل رسالة. لم يكن الاتحاد، الذي بدا مستحيلاً في نظر المراقبين، مجرد مشروع سياسي. كانت الإمارات ضرورة أخلاقية لضمان كرامة الإنسان ورفاهيته. ثلاث ركائز أساسية شكّلت هذه الرؤية: قيام الاتحاد، وتسخير الثروة لخدمة المجتمع، والانفتاح على العالم من دون التفريط بالهوية، وهو مزيجٌ نادر بين الحداثة والجذور والطموح والحكمة.
في هذا الإطار، لم تكن المناصب التي شغلها نسيبة سوى امتدادٍ لهذه الفلسفة. العمل العام كان خدمة، والقيمة لم تكن في الموقع، بل في ما يقدّمه الإنسان للآخرين. حتى في الإعلام، الذي ساهم في تأسيسه في الإمارات، كانت الفكرة واضحة، تقوم على الإصغاء قبل الحكم، والنقد بوصفه أداة تصحيح، لا تهديد.
ومع مرور الزمن، تحوّلت التجربة إلى مدرسة. تحوّلت الإمارات إلى نموذج لتوازنٍ صعب: بناءٌ سريع من دون فقدان الهوية، وانفتاحٌ عالمي من دون ذوبان. خلال عقود قليلة، انتقلت من بيئةٍ بسيطة إلى مركزٍ ثقافي ومعرفي، من دون أن تتخلّى عن جذورها.
في صميم هذا التحوّل، بقيت الثقافة والتربية حجر الأساس. لا يمكن لمجتمع أن ينهض، في نظره، من دون أن يستثمر في الإنسان قبل الحجر. التعليم عنده مسار حياة والثقافة شرطٌ للارتقاء الإنساني. الكتاب، اللوحة، الموسيقى، كلها أدوات لصناعة إنسانٍ أكثر توازناً، أكثر قدرة على مواجهة العالم.
التحدي اليوم لم يعد فقط في المعرفة، بل في كيفية التعامل معها. الذكاء الاصطناعي، والفيض الهائل من المعلومات، يفرضان نمطاً جديداً من التفكير. لكن، في مقابل هذا التسارع، يذكّر نسيبة بأمرٍ بسيط، أنّ الإنسان من دون ثقافة، مهما بلغ علمه، يبقى ناقصاً.
السكينة، التي يعود إليها الحديث مراراً هي جوهر الحياة، ولا تأتي من المال أو المنصب، بل من وجود بوصلةٍ أخلاقية داخلية. من القدرة على الرضا، وعلى التصالح مع الذات. ومن دون هذه السكينة، يفقد كل شيء معناه.
وأمام الانقسامات، تصبح فكرة التسامح، أو بالأحرى "السماحة"، أكثر عمقاً. هي اعترافٌ كامل بكرامته. التجربة التي شهدها في لقاءات الأديان، وفي وثيقة الأخوّة الإنسانية، تعكس هذا الفهم: الدين، في جوهره، ليس سبباً للفرقة، بل دعوةٌ للخير.
سيرة زكي أنور نسيبة مسار فكري وإنساني. من طفلٍ في القدس يكتشف العالم عبر الكتب، إلى رجلٍ يشارك في صياغة تجربة دولة، يبقى الخيط الناظم واحداً: الإيمان بأنّ الإنسان هو البداية والنهاية.
والحياة، بكل ما فيها من مرارةٍ وحلاوة، ليست سوى اختبارٍ لهذا الإيمان. من يقبل الاثنين معاً، ويواصل السعي، يدرك أنّ القيمة الحقيقية لا تكمن في ما نملكه، بل في ما نصنعه داخل أنفسنا، وفي الأثر الذي نتركه في الآخرين.



