
خلال ما يزيد قليلاً على نصف قرن، تحوّلت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مركز عالمي مزدهر للفنون. ولعلّ هذا التحوّل لا يتجلّى بوضوح أكثر ممّا يتجلّى في متاحفها، التي أصبحت ركائز أساسية في المشهد الثقافي الإماراتي ومصدراً للفخر في العالم العربي.
من المعارض المستقبلية المتقدمة إلى المؤسسات التي تحتفي بالتراث الإسلامي، تقف المتاحف في صميم مشروع وطني يهدف إلى ترسيخ المعرفة، وتعزيز الحوار، وبناء جسور التواصل مع العالم. يعتبر رئيس دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي محمد خليفة المبارك أنّ "الثقافة بحدّ ذاتها هي حجر الأساس الحقيقي لأي مجتمع يتطلع إلى المستقبل. وهي متجذّرة بعمق في الحمض النووي لكلّ متحف في الإمارات". وتعكس كلماته توجهاً أوسع، إذ تنظر القيادة الإماراتية إلى الفن والتراث بوصفهما عنصرين جوهريين في الهوية الوطنية، وجسراً يصل بين الشرق والغرب.
جزيرة السعديات في أبوظبي: حيّ متحفي عالمي
تسعى أبوظبي إلى ترسيخ مكانتها بوصفها عاصمة ثقافية عالمية من خلال إنشاء حيّ متحفي متكامل على جزيرة السعديات. الجزيرة، التي كانت في ما مضى امتداداً هادئاً من الرمال، باتت اليوم تحتضن مجموعة من الروائع المعمارية المكرّسة للفن والتاريخ والعلوم. وفي قلب هذا المشهد يقف متحف زايد الوطني، الذي طال انتظاره، وقد افتُتح في أواخر عام 2025 تكريماً للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة.

صمّم المتحف السير نورمان فوستر، بخمسة "أجنحة" فولاذية شاهقة مستوحاة من ريش الصقر، ليكون "منارة للهوية" الوطنية. وتروي قاعاته حكاية تمتد على مدى 300 ألف عام من تاريخ الإمارات، من الأدوات الحجرية في العصر الحجري القديم إلى قيام الاتحاد، مؤكّدةً أنّ السردية الإماراتية "بدأت قبل النفط بزمن طويل، وتهدف إلى الاستمرار طويلاً بعده".
جوهر سبب بناء هذه المتاحف ينبع من الإيمان بأهمّية معرفة المرء ثقافته وتاريخه، وفق رؤية الشيخ زايد. ويتصدّر "متحف اللوفر أبوظبي" المشهد الثقافي في جزيرة السعديات، وقد افتُتح عام 2017 بموجب اتفاقية رائدة مع فرنسا، بوصفه أول متحف عالمي من نوعه في العالم العربي.

تمتدّ قاعاته البيضاء المنخفضة تحت قبّة هندسية ضخمة تُرشّح ضوء الشمس في ما يشبه "مطر الضوء"، في إشارة معمارية إلى المشربيات والزخارف الشبكية في الشرق الأوسط. وفي الداخل، يقدّم اللوفر رحلةً مُنسّقة عبر تاريخ الحضارة الإنسانية، عارضاً قطعاً أثرية وأعمالاً فنية من مختلف أنحاء العالم في حوارٍ متواصل لإبراز الخيوط المشتركة بين البشر. ويعكس هذا النهج روح التقارب الثقافي التي تتبنّاها الإمارات. وفي الواقع، يجد كثير من الزوّار في التجربة رسالةً بالغة الدلالة؛ إذ يُقدّم المتاحف خلاصةً للتاريخ بأسره، تُركّز على ما هو مشترك في الإنسانية. كما يعتز اللوفر أبوظبي بعرض الفن الإسلامي جنباً إلى جنب مع روائع غربية وآسيوية، مُبرزاً إسهامات العالم الإسلامي في التراث الإنساني العالمي. وتُسهم هذه الجهود في ترسيخ صورة الدولة بوصفها أمةً مسلمة حديثة تُقدّر تراثها الخاص، وفي الوقت نفسه تحتفي بتنوّع ثقافات العالم.
وعلى بُعد خطوات قليلة من ظلال اللوفر، تواصل أيقونات ثقافية أخرى صعودها. افتُتح متحف التاريخ الطبيعي في عام 2025، مضيفاً بُعد العلوم والتراث الطبيعي إلى هذا المشهد المتكامل. وإلى جانب هذه الشراكات الدولية، تحتضن الجزيرة أيضاً مبادرات محلية، من بينها "مؤسسة بسّام فريحة للفنون". وقد افتتحها عام 2024 رجل الأعمال والرائد في الأعمال الخيرية بسّام فريحة، لتكون أول مؤسسة فنية خاصة في جزيرة السعديات، ومجانية الدخول للجمهور.

تُشكّل مجموعة فريحة الشخصية من اللوحات الاستشراقية - التي جُمعت على مدى أكثر من خمسين عاماً - نواة معارض المؤسسة، حيث تُعرض إلى جانب أعمال فنية إقليمية وعالمية. وتهدف المؤسّسة إلى دعم المواهب الصاعدة وإطلاق حوار ثقافي، في ما يعكس الاستراتيجية الثقافية الأوسع لدولة الإمارات العربية المتحدة. ومجتمعةً، تُسهم هذه المؤسسات في تحويل أبوظبي إلى وجهة يلتقي فيها الفن والابتكار والتراث.
الشارقة: مهد الفنون والثقافة الإسلامية
إذا كانت مقاربة أبوظبي تقوم على الاستيراد والابتكار، فإنّ قوة الشارقة تمثّلت في صون التراث الفني للمنطقة والاحتفاء به، بالتوازي مع تعزيز التبادل الثقافي. وغالباً ما تُوصَف الشارقة بأنّها العاصمة الثقافية لدولة الإمارات العربية المتحدة، إذ لطالما دعمت الفنون تحت رعاية حاكمها السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي. ففي عام 1997، افتتحت الإمارة متحف الشارقة للفنون، ليكون أول متحف فني يُشيَّد خصيصاً لهذا الغرض في منطقة الخليج. وكونه أول متحف فني مُشيَّد خصيصاً في منطقة الخليج، كان له دور بالغ الأهمية في تشكيل المشهدين الفني والثقافي. وقد أسهمت المؤسسة الرائدة في زرع بذور مجتمع فني نابض بالحياة، وأرسلت إشارة واضحة إلى أنّ المتاحف في دولة الإمارات يمكن أن تكون فضاءات تفاعلية وتثقيفية تُغني المجتمع، لا مجرد مستودعات للقطع الأثرية.

وعلى مدى العقدين الماضيين، استضاف متحف الشارقة للفنون أكثر من مئة معرض، تراوحت بين الفن الإسلامي الكلاسيكي وعروض معاصرة جريئة. فهو لا يكتفي بجلب الفن العالمي إلى الجمهور المحلي، بل يرفع أيضاً من شأن الفنانين الإقليميين على الساحة الدولية. وقد أسهمت جهود الشارقة في ردم الفجوة بين عالم الفن والجمهور، من خلال ورش عمل وجولات وبرامج مجتمعية واسعة النطاق تُبسّط الفن وتقرّبه إلى مختلف الفئات العمرية. وبقصدٍ واعٍ، بات المتحف "منارةً للتنوير الثقافي" ومركزاً للتلاحم الاجتماعي، ومكاناً يُختبَر فيه الفن ويُناقَش.
ولا تقلّ أهميةً عن ذلك متحف الشارقة للحضارة الإسلامية، القائم في مبنى سوقٍ قديم فخم تعلوه قبّة ذهبية لامعة. هنا، ينطلق الزائرون في رحلة تمتد عبر 1400 عام من الفن والعلم والإيمان في الحضارة الإسلامية. وتعرض قاعات المتحف روائع من الخزف الإسلامي والمنسوجات وفنون الخط، إلى جانب أدوات علمية واختراعات تعود إلى عصور الازدهار في العالم الإسلامي. وهو عرضٌ يبعث على الفخر بإسهامات الحضارة الإسلامية في المعرفة الإنسانية العالمية، ويُشكّل محوراً تواصل الشارقة تسليط الضوء عليه.

تشكّل المعارض الفنية والبرامج التعليمية والنقاشات والمنشورات بوابات لتعزيز فهم الناس وتقديرهم للثقافات الأخرى. ويُعدّ الفن في دولة الإمارات مرآة للإنسانية وتوثيق بصري للحياة الاجتماعية والسياسية لأي بلد، يساعد الأفراد على بناء التعاطف والتسامح عبر الثقافات. وفي متاحف الشارقة، تتجلّى هذه الفلسفة بوضوح، سواء من خلال عرض الفن الإسلامي جنباً إلى جنب مع فنون العالم، أو عبر ضمان إتاحة المعارض للجميع.
دبي: حيث يلتقي المستقبل بالتراث
اتّخذت دبي، المدينة الأكثر كوزموبوليتانية في دولة الإمارات العربية المتحدة، مقاربة جريئة بطابعها الخاص تجاه المتاحف، تدفع حدود التكنولوجيا والتصميم المستقبلي إلى أقصاها، مع الاستلهام في الوقت نفسه من تراث المنطقة. ويتجلّى محور الطموحات الثقافية لدبي في متحف المستقبل، الذي افتُتح في شباط/فبراير 2022 على شارع الشيخ زايد الرئيسي في المدينة. وبفضل هندسته المعمارية اللافتة على شكل حلقة تورسية، والمحاطة بعبارات من الخط العربي، سرعان ما أصبح متحف المستقبل أيقونةً من أيقونات دبي.
واجهة المبنى بحدّ ذاتها اندماج بين الفن والتكنولوجيا واللغة؛ إذ تمثّل العبارات العربية المتدفقة المنقوشة في الفولاذ اقتباسات من حاكم دبي حول الابتكار والأمل. ومن بين هذه العبارات اللافتة، قول الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: "المستقبل سيكون لمن يستطيع تخيله وتصميمه وتنفيذه. المستقبل لا يُنتظر، المستقبل يُمكن تصميمه وبناؤه اليوم"، وهي دعوة رؤيوية إلى الفعل، كُتبت حرفياً بلغة الفن الإسلامي - الخط - على هيكل ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين.

وفي الداخل، يقدّم المتحف رحلة إلى عام 2071، عبر معارض غامرة تبدو أقرب إلى الدخول في قصة من الخيال العلمي منها إلى تصفّح قاعات عرض تقليدية. ويمكن للزوّار استكشاف محطة فضائية، ومشاهدة حلول متقدّمة لتغيّر المناخ ضمن محاكاة لغابة الأمازون المطيرة، وممارسة التأمّل في "واحة" عالية التقنية، والتفاعل مع الأفكار في مختبر ابتكار مخصّص للأطفال. ويشرح الرئيس التنفيذي لـ"مؤسسة دبي للمستقبل" خلفان بالهول أنّ "متحف المستقبل مختلف عن أيّ متحف تقليدي آخر. إنه متحف حيّ سيجري تجديده وتعزيزه وإثراؤه باستمرار مع مرور الوقت… وهو فرصة لا مثيل لها لجيل جديد ليكون جزءاً من المستقبل". وبعبارة أخرى، يتعامل المتحف الأبرز في دبي مع المستقبل بوصفه عملاً قيد التشكّل، داعياً زوّاره إلى التخيل والابتكار والمشاركة في صناعته.
مع ذلك، وبينما تندفع دبي بقوة نحو المستقبل، لم تنسَ أهمية التراث. فمفهوم متحف المستقبل ذاته يجمع بين الابتكار والتقاليد، ويتجلّى ذلك في فن الخط الذي يحتفي باللغة العربية والإرث الفني للمنطقة وسط تكنولوجيا فائقة الحداثة. وفي أماكن أخرى من المدينة، تواصل متاحف أكثر تقليدية حفظ التاريخ؛ إذ يوثّق متحف الاتحاد، على سبيل المثال، نشأة دولة الإمارات العربية المتحدة في المبنى نفسه الذي وُقِّعت فيه معاهدة الاتحاد عام 1971. كما يحتضن حصن الفهيدي التاريخي، العائد إلى القرن الثامن عشر، متحف دبي، الذي يقدّم لمحة آسرة عن الحياة الإماراتية قبل عصر النفط. وتوفّر هذه المواقع سياقاً وجذوراً لأفق دبي المستقبلي الطاغي.

حتى المشهد الفني يزدهر في فضاءات فريدة مثل حيّ السركال أفنيو - وهو مجمّع مستودعات تحوّل إلى حيّ للغاليريهات الفنية - بما يؤكّد أن الحياة الثقافية في المدينة تتجاوز البريق والواجهات اللامعة. ويبدو أن استراتيجية دبي تقوم على تحقيق توازن دقيق: الاحتفاء بروح التقدّم مع احترام الماضي. وهو توازن يلقى صدىً لدى السكان والزائرين على حدّ سواء، ويبعث برسالة مفادها أن احتضان المستقبل في دولة الإمارات لا يعني التخلي عن الروح الثقافية.
قوة فنية عالمية جديدة
معاً، ترسم أبوظبي والشارقة ودبي ملامح نهضة فنية في دولة الإمارات العربية المتحدة غير مسبوقة في المنطقة. فمتاحفها - سواء تلك التي تعرض روائع عصر النهضة، أو الكنوز الإسلامية العريقة، أو التركيبات المعاصرة، أو الابتكارات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي - تخدم جميعها هدفاً مشتركاً، ألا وهو التعليم والإلهام. والأهم من ذلك، أنها تُعزّز صورة المجتمع المتسامح، المبتكر، والغني ثقافياً. هذه هي القوة الناعمة الثقافية في أبهى تجلياتها. فالدولة باتت تُذكَر بانتظام إلى جانب مراكز الفن العالمية، فيما تتعاون مؤسساتها مع أبرز المتاحف والفنانين في العالم. ولا يقتصر استثمار الإمارات في الفنون على مكاسب اقتصادية وديبلوماسية - من جذب السياحة، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز الشراكات الدولية - بل يترك قبل كلّ شيء أثراً اجتماعياً عميقاً في الداخل.
متاحف الإمارات فضاءات للحوار والنقاش المفتوح والتعلّم. إنها مساحات مدنية تساعد على تحدّي الأحكام المسبقة، ورعاية الفهم المتبادل، وتشجيع التماسك الاجتماعي. وبالفعل، ينشأ جيل من الشباب الإماراتي اليوم وهو يمتلك وصولاً مباشراً إلى فنون عالمية المستوى ومعرفة تاريخية رفيعة في محيطه القريب... جيل سيكون أكثر انفتاحاً على العالم وأكثر اعتزازاً بتراثه.



